بدأت الانتفاضة الشعبانية في العراق في أوائل شهر آذار/مارس 1991، عقب الهزيمة العسكرية التي مُني بها نظام صدام حسين في حرب الخليج الثانية وانسحاب الجيش العراقي من الكويت. شكّلت تلك المرحلة لحظة انهيار حقيقي في هيبة الدولة وسلطتها، إذ عاد الجنود إلى مدنهم وهم يالانتفاضة الشعبانية: السياق التاريخي وبداية الانفجار الشعبي
بدأت الانتفاضة الشعبانية في العراق في أوائل شهر آذار/مارس 1991، عقب الهزيمة العسكرية التي مُني بها نظام صدام حسين في حرب الخليج الثانية وانسحاب الجيش العراقي من الكويت. شكّلت تلك المرحلة لحظة انهيار حقيقي في هيبة الدولة وسلطتها، إذ عاد الجنود إلى مدنهم وهم يحملون شعور الهزيمة والانكسار، في وقت كان فيه المجتمع العراقي يرزح تحت وطأة حروب متتالية، وقمع سياسي طويل الأمد، وأوضاع اقتصادية خانقة سرعان ما تفاقمت مع فرض العقوبات الدولية.
مبدأ الانتفاضة وانطلاقها من محافظة البصرة
المبدأ الفعلي للانتفاضة كان من جنوب العراق، وتحديدًا من محافظة البصرة، حيث تشير غالبية الشهادات التاريخية إلى أن الشرارة الأولى انطلقت من احتجاجات عفوية شارك فيها جنود عائدون من الجبهة ومدنيون، عبّروا عن غضبهم من النظام عبر مهاجمة رموزه ومراكزه الأمنية. هذا الفعل، الذي بدأ محدودًا، سرعان ما تحوّل إلى تمرد شعبي واسع مع انضمام آلاف المواطنين الذين لم يعودوا يرون في السلطة سوى مصدر مباشر لمعاناتهم. خلال أيام قليلة، فقدت الحكومة سيطرتها على أجزاء واسعة من البصرة، وهو ما شكّل نقطة تحول مفصلية شجّعت على انتقال الانتفاضة إلى محافظات أخرى.
اتساع رقعة الانتفاضة وسقوط المحافظات
من البصرة، امتدت الانتفاضة بسرعة كبيرة إلى محافظات الجنوب والوسط، مستفيدة من التفكك المعنوي للقوات الأمنية وغياب السيطرة الفعلية للدولة في الداخل. وبحسب معظم المصادر التاريخية، فقد شملت الانتفاضة نحو أربع عشرة محافظة من أصل ثماني عشرة محافظة عراقية آنذاك، وشهدت سقوطًا كليًا أو جزئيًا لسلطة النظام في عدد كبير منها. من بين أبرز المحافظات التي خرجت عن السيطرة الحكومية: البصرة، ذي قار (الناصرية)، ميسان (العمارة)، المثنى (السماوة)، الديوانية، بابل (الحلة)، النجف، كربلاء، وواسط، إضافة إلى اضطرابات واسعة في ديالى وأطراف بغداد وبعض مناطق الجنوب الغربي. في هذه المدن، سيطر المنتفضون على مقرات حزب البعث والأجهزة الأمنية، وفتحوا السجون وأطلقوا سراح آلاف المعتقلين السياسيين.
دور النجف وكربلاء وموقف العلماء
في النجف وكربلاء، اكتسبت الانتفاضة بعدًا خاصًا بسبب رمزيتهما الدينية والاجتماعية. شارك الأهالي وطلبة الحوزة العلمية في الحراك، ووجدت الانتفاضة صدى واسعًا في الأوساط الدينية. بعض العلماء ورجال الدين قدّموا دعمًا معنويًا واضحًا للمطالب الشعبية، ووقفوا إلى جانب الناس في رفض الظلم والقمع، فيما وجد آخرون أنفسهم في وضع بالغ الخطورة بين ضغط السلطة واندفاع الشارع. تعرّض عدد من العلماء للملاحقة والاعتقال، واضطر آخرون إلى الانكفاء أو الصمت في ظل غياب أي ضمانات، خاصة بعد أن اتضح أن النظام يتجه إلى حسم عسكري دموي.
القمع العسكري وردّ فعل نظام صدام حسين
ردّ نظام صدام حسين جاء سريعًا وحاسمًا. اعتبرت السلطة الانتفاضة تهديدًا وجوديًا، وأعادت نشر وحدات الحرس الجمهوري والجيش داخل المدن المنتفضة، مستخدمة الدبابات والطيران والمدفعية الثقيلة. شُنّت عمليات عسكرية واسعة داخل الأحياء السكنية، وترافق ذلك مع حملات اعتقال جماعية وإعدامات ميدانية، في واحدة من أعنف موجات القمع في تاريخ العراق الحديث.
اقتحام العتبات المقدسة في كربلاء
وفي كربلاء، بلغت عمليات القمع مستوى بالغ الخطورة، إذ لم تكتفِ القوات الحكومية باستعادة السيطرة العسكرية على المدينة، بل أقدمت على اقتحام محيط العتبتين المقدستين، حرم الإمام الحسين (عليه السلام) وحرم أبي الفضل العباس (عليه السلام). تشير شهادات موثقة إلى استخدام الأسلحة الثقيلة في محيط الحرمين، وتعرّض المناطق المحيطة بهما للقصف، إضافة إلى اقتحام المدينة القديمة واعتقال أعداد كبيرة من المدنيين داخلها. شكّل هذا الهجوم انتهاكًا صارخًا لحرمة الأماكن المقدسة، ورسالة واضحة بأن النظام مستعد لتجاوز كل الخطوط الحمراء الدينية والإنسانية من أجل كسر الانتفاضة وإعادة فرض السيطرة.

الخسائر البشرية والمقابر الجماعية
أما على مستوى الخسائر البشرية، فتُجمع تقارير حقوقية وشهادات لاحقة على أن قمع الانتفاضة الشعبانية أسفر عن مقتل وإعدام عشرات الآلاف من العراقيين. وتقدّر الأرقام المتداولة عدد الشهداء والضحايا بما يتراوح بين عشرين ألفًا وخمسين ألف شخص، بين قتلى القصف، والإعدامات الميدانية، والمعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب أو اختفوا قسرًا. كما اعتُقل عشرات الآلاف، ولا يزال مصير عدد كبير منهم مجهولًا حتى اليوم.
دُفن عدد كبير من الضحايا في مقابر جماعية سرية في محافظات الجنوب والوسط، في محاولة متعمدة لإخفاء آثار الجرائم وبثّ الرعب في المجتمع. ولم يُكشف عن كثير من هذه المقابر إلا بعد سقوط النظام عام 2003، حيث تحولت إلى دليل مادي دامغ على الطابع المنهجي للعنف الذي مارسه النظام ضد شعبه.
نتائج الانتفاضة وأثرها في الذاكرة العراقية
انتهت الانتفاضة الشعبانية عسكريًا خلال أسابيع قليلة، بعد أن استعاد النظام السيطرة على المحافظات بالقوة، إلا أن آثارها السياسية والاجتماعية بقيت عميقة. فقد أسقطت الانتفاضة صورة النظام الذي لا يُقهر، وكشفت هشاشة شرعيته، وعمّقت الشرخ بين الدولة والمجتمع. وعلى المدى البعيد، شكّلت هذه الانتفاضة إحدى المحطات الأساسية التي أعادت تشكيل الوعي السياسي للعراقيين، وبقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية بوصفها محاولة شعبية واسعة لكسر الاستبداد من الداخل.









