الحرب ضد تنظيم القاعدة

بدأت الحرب ضد تنظيم القاعدة في العراق بعد عام 2003، مستفيدةً من الفراغ الأمني الذي أعقب الاحتلال. نفّذ التنظيم عمليات إرهابية واسعة استهدفت المدنيين والمقدسات، أبرزها تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا. وأسهمت المقاومة الشعبية والرسمية في تقويض نفوذه وكشف طبيعته الإجرامية.

القاعدة في العراق: من فراغ الاحتلال إلى حرب الإبادة الطائفية

لم يكن ظهور تنظيم القاعدة في العراق حدثًا معزولًا أو تطورًا طبيعيًا داخل المجتمع العراقي، بل جاء نتيجة مباشرة لانهيار الدولة بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وما رافقه من تفكيك مؤسسات الأمن والجيش، وخلق فراغ سياسي وأمني عميق استغلّته الجماعات المتطرفة بأقصى درجات العنف. في تلك البيئة المضطربة، وُلد أحد أخطر فصول الإرهاب المعاصر، حيث تحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة لتنظيم القاعدة وتجاربها الدموية.

تشكّل القاعدة في العراق بعد عام 2003

بعد سقوط نظام صدام حسين، دخل العراق مرحلة من الفوضى الشاملة، فغابت السلطة المركزية، وانتشرت السلاح، وتفككت الحدود. في هذا السياق، برز الأردني أبو مصعب الزرقاوي الذي أسس تنظيمًا مسلحًا حمل اسم «جماعة التوحيد والجهاد». وفي عام 2004، أعلن الزرقاوي مبايعته لأسامة بن لادن، ليصبح التنظيم رسميًا تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.

لم يكن هدف القاعدة مقاومة الاحتلال بقدر ما كان تفجير المجتمع العراقي من الداخل عبر إشعال حرب طائفية شاملة. اعتمد التنظيم خطابًا تكفيريًا متطرفًا، استباح بموجبه دماء المدنيين، واعتبر الشيعة وسائر المخالفين له «أهدافًا مشروعة»، وهو ما شكّل تحوّلًا خطيرًا في طبيعة الصراع داخل العراق.

الجرائم والانتهاكات: إرهاب بلا حدود

ارتكب تنظيم القاعدة في العراق جرائم واسعة النطاق ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية. فقد نفّذ آلاف العمليات الإرهابية، شملت تفجيرات في الأسواق الشعبية، المساجد، الحسينيات، مراكز الشرطة، الجامعات، والمستشفيات. ولم تقتصر عملياته على التفجيرات، بل شملت الذبح العلني، الإعدامات الميدانية، الخطف، وتهجير العائلات قسرًا، خاصة في بغداد والأنبار وديالى ونينوى.

تشير التقديرات إلى أن عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين قُتلوا بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة عمليات القاعدة بين عامي 2004 و2010. وقد كانت الغالبية العظمى من الضحايا من المدنيين، خصوصًا النساء والأطفال وكبار السن، ما كشف بوضوح الطبيعة الإجرامية للتنظيم وبعده الكامل عن أي مفهوم للمقاومة أو الدفاع.

تفجير مرقد الإمامين العسكريين(ع): لحظة الانفجار الطائفي

يُعدّ تفجير مرقد الإمامين العسكريين (الإمام علي الهادي والإمام الحسن العسكري عليهما السلام) في مدينة سامراء عام 2006 من أخطر الجرائم التي ارتكبها تنظيم القاعدة في العراق. لم يكن هذا الهجوم مجرد اعتداء على موقع ديني مقدّس، بل كان مشروعًا متعمّدًا لإشعال حرب أهلية طائفية شاملة.

أدّى التفجير إلى موجة غير مسبوقة من العنف، وفتح الباب أمام صدامات دامية، راح ضحيتها آلاف العراقيين. وقد شكّل هذا الحدث نقطة تحوّل مفصلية، إذ انكشفت القاعدة أمام الرأي العام العراقي كقوة تخريبية تستهدف وحدة البلاد ورموزها الدينية، وليس كجماعة تقاتل احتلالًا أجنبيًا.

المقاومة الشعبية والرسمية ضد القاعدة

مع تصاعد جرائم القاعدة، بدأت مقاومة عراقية متعددة المستويات تتشكّل ضد التنظيم. في المناطق السنية، ولا سيما محافظة الأنبار، انتفضت العشائر ضد القاعدة فيما عُرف بـ«الصحوات»، بعد أن أدركت أن التنظيم يستهدف أبناءها ويفرض حكمًا دمويًا قائمًا على الإكراه والقتل.

في المقابل، لعب المرجعيات الدينية الشيعية دورًا محوريًا في تهدئة الشارع ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة، عبر الدعوة إلى ضبط النفس، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة العراق. كما تطورت قدرات القوات الأمنية العراقية تدريجيًا، واستفادت من الدعم الاستخباري الشعبي لتوجيه ضربات قاصمة لقيادات القاعدة.

تراجع القاعدة ونتائج التجربة العراقية

بحلول عامي 2009 و2010، تلقّى تنظيم القاعدة في العراق ضربات استراتيجية أفقدته السيطرة الميدانية والنفوذ الشعبي. قُتل أو اعتُقل عدد كبير من قادته، وتفككت شبكاته اللوجستية، وانحسر حضوره في معظم المدن. غير أن بقاياه أعادت تنظيم نفسها لاحقًا في صورة أكثر تطرفًا ووحشية تحت مسمى «داعش»، مستفيدة من أخطاء جديدة وظروف إقليمية لاحقة.