تنظيم داعش: سيرة الخوف من النشأة إلى الانكسار
لم يكن تنظيم داعش مجرد تنظيم مسلح ظهر ثم اختفى، بل كان واحدة من أعنف الظواهر التي ضربت الإنسان في هذه المنطقة. ظهر في لحظة ضعف، وتمدد في زمن خوف، وترك وراءه جراحًا إنسانية عميقة ما زالت آثارها حاضرة في البيوت، والذاكرة، والوجدان الجمعي. لفهم داعش، لا يكفي النظر إلى المعارك، بل يجب العودة إلى البدايات، إلى اللحظة التي بدأ فيها الانهيار.
الفوضى الأولى بعد 2003
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لم تتغير السلطة فقط، بل تغيّر شكل الحياة بالكامل. الدولة التي كانت، بكل ما فيها من سلبيات، تمسك بالأمن، انهارت فجأة. حُلّ الجيش، تفككت الأجهزة الأمنية، وغاب القانون عن الشارع. المواطن العادي وجد نفسه بلا حماية، وبلا ثقة، وبلا أفق واضح للمستقبل.
في هذه البيئة، انتشر السلاح، وتحوّل الخوف إلى شعور يومي. العائلات أصبحت تفكر أولًا في النجاة، لا في الحياة. ومع غياب الدولة، بدأت الجماعات المتطرفة تجد طريقها إلى الشارع، مستغلة الغضب، والإحباط، والشعور العميق بالظلم.
تشكّل الفكر المتطرف
في ظل هذا الفراغ، بدأ الفكر المتطرف يتغلغل ببطء. بعض الجماعات رفعت شعارات دينية، وقدّمت نفسها كبديل عن الدولة الغائبة. لم تكن هذه الجماعات تهتم بالإنسان بقدر اهتمامها بالسيطرة. ومع الوقت، تحوّلت من مجموعات صغيرة إلى تنظيمات أكثر تنظيمًا وتسليحًا.
من بين هذه التنظيمات، برز مسار قاده لاحقًا أبو بكر البغدادي. استند في البداية إلى تنظيم القاعدة في العراق، لكنه سرعان ما انفصل عنه، معتبرًا أن العنف المطلق هو الطريق الأسرع للهيمنة. هنا بدأ التحول الأخطر: من تنظيم مسلح إلى مشروع سلطة قائم على الرعب.
صعود أبو بكر
قدّم أبو بكر البغدادي نفسه كقائد ديني وسياسي في آن واحد. أعلن “الخلافة”، وطلب البيعة، في محاولة لإضفاء شرعية دينية على مشروع دموي. هذا الإعلان لم يكن مجرد خطوة إعلامية، بل دعوة مفتوحة للتطرف العالمي.
تدفّق آلاف المقاتلين من دول مختلفة، بعضهم بدافع الجهل، وبعضهم بدافع التطرف، وبعضهم هربًا من واقعهم. وهكذا تحوّل داعش من خطر محلي إلى تهديد عالمي، يستخدم الإعلام، والخوف، والقتل المنهجي لفرض وجوده.
مشروع بلا حياة
حين سيطر داعش على المدن، اتضح سريعًا أنه لا يحمل أي مشروع للحياة. لم يهتم ببناء مؤسسات، ولا بإدارة شؤون الناس. كل ما فعله هو فرض قوانين قاسية، وتحويل المجتمع إلى سجن كبير.
أُغلقت المدارس، مُنعت الفنون، قُمعت النساء، جُنّد الأطفال، وصار الموت لغة يومية. الإعدامات العلنية كانت رسالة واضحة: لا صوت يعلو فوق صوت التنظيم. الدين استُخدم كأداة تبرير، لا كقيمة أخلاقية.
سقوط الموصل الكبير
عام 2014، كانت سقوط الموصل اللحظة المفصلية. لم يكن الحدث مجرد هزيمة عسكرية، بل انهيارًا نفسيًا هائلًا. ملايين الناس استيقظوا على واقع جديد لا يشبه حياتهم السابقة.
المدينة تحوّلت إلى مكان بلا أمان. من يعترض يُقتل، ومن يحاول الهرب يُعدم. البيوت صودرت، والناس عاشوا تحت مراقبة دائمة. آلاف العائلات نزحت في ظروف قاسية، بلا مأوى ولا موارد.
جرائم بلا حدود
في سنجار، ارتكب داعش واحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث. الإيزيديون تعرّضوا لإبادة جماعية: قُتل الرجال، وسُبيت النساء، وخُطف الأطفال. هذه الجرائم لم تكن استثناءً، بل جزءًا من سياسة منظمة تهدف إلى كسر الإنسان نفسيًا قبل جسديًا.
المقابر الجماعية انتشرت، والدمار طال المساجد، والكنائس، والمراقد، وحتى الآثار التاريخية. كان التنظيم يريد محو الذاكرة، لا السيطرة على الأرض فقط.
اقتراب الخطر الشامل
مع توسّع داعش، بدأ الخطر يقترب من بغداد، ومن المدن المقدسة، ومن قلب المجتمع العراقي. الناس شعروا أن الانهيار قد يكون شاملًا. الدولة كانت تقاتل، لكنها مرهقة بعد سنوات طويلة من الصراع.
الخوف صار جماعيًا. السؤال الذي تردّد في كل بيت لم يكن سياسيًا، بل وجوديًا:
هل ننتظر حتى يصل القتل إلينا؟
صدور فتوى الجهاد
في هذه اللحظة الحرجة، صدرت فتوى الجهاد الكفائي عن المرجع الأعلى آية الله السيد علي السيستاني. لم تكن الفتوى دعوة مفتوحة للعنف، بل نداءً أخلاقيًا واضحًا للدفاع عن الوطن، عن الناس، عن الحياة.
الفتوى شددت على حماية المدنيين، وعلى أن القتال واجب اضطراري حين تكون البلاد مهددة. لهذا، شعر كثير من العراقيين أن هذه الكلمة أعادت لهم التوازن، وحددت بوضوح أن الهدف هو الدفاع، لا الانتقام.

تشكّل الحشد الشعبي
استجابةً للفتوى، تشكّل الحشد الشعبي من آلاف المتطوعين. لم يكونوا جميعًا عسكريين، بل مواطنين عاديين تركوا أعمالهم وبيوتهم لأنهم شعروا أن الخطر إن لم يُوقف، سيصل إلى عائلاتهم.
الحشد مثّل حالة اجتماعية قبل أن يكون قوة عسكرية. شارك إلى جانب القوات الأمنية في معارك مصيرية، ونجح في وقف تمدد داعش في لحظات كانت البلاد فيها على حافة الانهيار.
معارك الاستنزاف الطويلة
المعارك لم تكن سهلة. داعش استخدم السيارات المفخخة، والانتحاريين، والدروع البشرية. كثير من المقاتلين سقطوا شهداء. لكن مع كل معركة، كان التنظيم يخسر أرضًا، ويخسر هيبته.
تحرير المدن جاء تدريجيًا: آمرلي، جرف الصخر، تكريت، الفلوجة، ثم الموصل. كل مدينة كانت قصة ألم، وصبر، وتضحيات.
إعلان الهزيمة العسكرية
في نهاية المطاف، سقط مشروع “الخلافة”. هُزم داعش عسكريًا، وانتهى وجوده كقوة مسيطرة على الأرض. لكن هذا السقوط لم يمحُ آثاره. الدمار كان واسعًا، والجرح كان عميقًا.
ما بعد داعش اليوم
اليوم، التحدي لم يعد فقط أمنيًا. هناك مدن تحتاج إلى إعادة إعمار، ونازحون ينتظرون العودة، وأطفال يحملون ذاكرة قاسية. المعركة الحقيقية هي منع عودة هذا الفكر، ومعالجة أسبابه، وعدم ترك الفراغ يتكرر.
خاتمة إنسانية أخيرة
داعش لم يكن قوة لا تُهزم، بل نتيجة فوضى وخوف وإهمال. وهزيمته لم تكن نصرًا عسكريًا فقط، بل لحظة قرر فيها الناس أن الدفاع عن الحياة أهم من الصمت. بين الفوضى والفتوى، وبين الخوف والوقوف، كُتب فصل مؤلم من تاريخ العراق، لكنه علّم الجميع أن الإنسان، حين يتكاتف، قادر على إسقاط أكثر مشاريع الموت وحشية.









