مرجعية ميدانية وصوت المظلومين في العراق الحديث
يحتلّ الشهيد آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر مكانةً استثنائية في التاريخ الديني والسياسي للعراق المعاصر، ليس بوصفه فقيهًا بارزًا فحسب، بل باعتباره ظاهرة إنسانية واجتماعية أعادت تعريف العلاقة بين المرجعية الدينية والمجتمع، وبين الدين والواقع المعيش. لقد مثّل الصدر نموذجًا نادرًا للعالم الذي لم يكتفِ بالتدريس والتأليف، بل نزل إلى الميدان، وخاطب الناس بلغتهم، وواجه الاستبداد بجرأة غير مسبوقة.
في مرحلةٍ كان الخوف فيها سياسةً عامة، والصمت قاعدةً مفروضة، اختار السيد الصدر أن يكون صوتًا للمحرومين، وأن يضع مكانته العلمية في خدمة العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان، فدفع حياته ثمنًا لهذا الخيار.
النشأة والجذور العائلية
وُلد السيد محمد محمد صادق الصدر في 23 مارس/آذار 1943م في العراق، ونشأ في أسرة علمية عريقة تُعدّ من أشهر الأسر الدينية في الوسط الشيعي. يعود نسبه إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، ما منح شخصيته امتدادًا تاريخيًا وروحيًا عميقًا، وألقى على عاتقه منذ بداياته شعورًا بالمسؤولية تجاه الدين والمجتمع.
نشأ الصدر في بيئة يغلب عليها العلم والورع، وكان محاطًا بمجالس العلماء والفقهاء، الأمر الذي أسهم في بناء شخصيته الفكرية مبكرًا، وجعله يتشرّب قيم الالتزام الديني والاستقلال الأخلاقي منذ طفولته.
التكوين العلمي في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف
التحق السيد محمد صادق الصدر بـ الحوزة العلمية في النجف الأشرف، التي تُعدّ القلب النابض للفكر الشيعي وأحد أعرق المراكز العلمية الدينية في العالم الإسلامي. وفي هذا الصرح العلمي، درس علوم الفقه وأصول الفقه، والتفسير، والحديث، والعقائد، متدرجًا في المناهج الحوزوية التقليدية، حتى برز بين أقرانه بفضل نبوغه العلمي، وعمق بحثه، والتزامه الصارم بالتحقيق والتدقيق.
وبعد سنوات طويلة من الدراسة والتدريس، بلغ مرتبة الاجتهاد، وهي أعلى المراتب العلمية في الفقه الشيعي، ما جعله من العلماء القادرين على الاستنباط الفقهي وإنتاج الرأي الشرعي المستقل. غير أن تميّزه لم يكن مقتصرًا على التحصيل العلمي، بل تجلّى أيضًا في منهجه الفكري، إذ سعى إلى تجاوز القراءة الجامدة للنصوص، وربط الفقه بالواقع الاجتماعي والإنساني، ورفض الفصل بين الدين وحياة الناس اليومية.
وقد انعكست هذه الرؤية بوضوح في عدد من مؤلفاته العلمية والفكرية، التي شكّلت جزءًا مهمًا من مشروعه الإصلاحي. من أبرزها كتاب «ما وراء الفقه»، الذي ناقش فيه البعد الاجتماعي والإنساني للاجتهاد، وكتاب «فقه العشائر»، حيث تناول العلاقة بين الأعراف العشائرية والأحكام الشرعية، في محاولة جادة لمعالجة الواقع العراقي من داخل المنظومة الفقهية.
كما عُرف السيد الصدر بكتاباته الفقهية الاستدلالية، ومن أعماله المعروفة شروحه على «العروة الوثقى»، وهو من أهم المتون الفقهية المعتمدة في الدراسات الحوزوية العليا، ما يعكس مكانته العلمية المتقدمة داخل الحوزة.
وإلى جانب ذلك، يُعدّ عمله الموسوعي الكبير «موسوعة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)» من أشهر وأهم مؤلفاته الفكرية والعقائدية. وقد تناول في هذه الموسوعة قضية الإمام المهدي من جوانب عقائدية وتاريخية وتحليلية واسعة، مستعرضًا الروايات، والنصوص، والإشكاليات المرتبطة بفكرة المهدوية، ودورها في الوعي الديني والاجتماعي لدى الشيعة. وتمتاز هذه الموسوعة بسعتها العلمية ومنهجها التحقيقي، ما جعلها مرجعًا مهمًا في الدراسات المهدوية المعاصرة.
تعكس هذه المؤلفات مجتمعةً رؤية السيد محمد صادق الصدر إلى الفقه والعقيدة بوصفهما مشروعًا حيًا متجددًا، يهدف إلى بناء الإنسان والوعي، لا إلى الانغلاق في الإطار النظري. وكان يؤمن بأن قيمة الاجتهاد الحقيقية تكمن في قدرته على الاستجابة لقضايا المجتمع، وربط النص الديني بمفاهيم العدالة والكرامة والمسؤولية الأخلاقية.
رؤية دينية مختلفة: المرجعية بين الناس لا فوقهم
آمن السيد محمد صادق الصدر بأن المرجعية الدينية لا ينبغي أن تبقى حبيسة الجدران، بل يجب أن تكون حاضرة في حياة المجتمع، تشاركه همومه وتدافع عن حقوقه. ومن هذا المنطلق، طرح نموذجًا جديدًا لما يمكن تسميته بـ «المرجعية الميدانية».
لم يكن يخاطب النخب وحدها، بل توجّه إلى عامة الناس، مستخدمًا لغة واضحة ومباشرة، مبتعدًا عن التعقيد الاصطلاحي، ما جعله قريبًا من الفقراء والمهمّشين، الذين وجدوا فيه عالمًا يفهم معاناتهم ولا يتعالى عليهم.

إحياء صلاة الجمعة: فعل ديني ورسالة سياسية
حياء صلاة الجمعة في زمن صدام: كسرُ الصمت وبداية التحدّي العلني
يُعدّ إحياء صلاة الجمعة على يد الشهيد آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر واحدةً من أخطر وأجرأ الخطوات الدينية في تاريخ العراق المعاصر، ولا سيما أنها جاءت لأول مرة بصورة علنية ومنظمة خلال حكم صدام حسين، في فترة كان النظام البعثي يفرض سيطرته المطلقة على المساجد، والمنابر، وكل أشكال التجمع الديني الجماهيري.
طوال سنوات حكم البعث، تعمّد النظام تعطيل صلاة الجمعة عمليًا، ليس بقرار فقهي، بل بقرار أمني، إدراكًا منه أن صلاة الجمعة ليست مجرد عبادة، بل منبر جماهيري أسبوعي قادر على تحريك الوعي، وكسر العزلة، وبناء رأي عام ديني واجتماعي خارج سيطرة الدولة. ولهذا، تحوّلت صلاة الجمعة إلى شعيرة مغيّبة قسرًا، وحُرم المجتمع الشيعي من أحد أهم أدوات التعبير الجماعي.
في هذا السياق القمعي، اتخذ السيد محمد صادق الصدر قراره التاريخي بإقامة صلاة الجمعة في النجف الأشرف، وهو قرار لم يكن عفويًا ولا رمزيًا فقط، بل محسوب العواقب، ومدركًا تمامًا لما قد يترتب عليه من مواجهة مباشرة مع السلطة. لقد كان الصدر يعلم أن هذه الخطوة تعني الخروج من دائرة “العالم الصامت” إلى موقع القيادة الدينية الميدانية.
إقامة صلاة الجمعة في زمن صدام لم تكن مجرد استعادة لشعيرة دينية، بل كانت إعلانًا عمليًا عن استقلال المرجعية عن السلطة السياسية، ورسالة واضحة بأن الدين لا يُدار بإذن الأجهزة الأمنية. حمل هذا الفعل في جوهره تحديًا صريحًا لفكرة احتكار الدولة للفضاء العام، وكسرًا لهيبة الخوف التي بناها النظام عبر سنوات من القمع.
أما خطب الجمعة التي ألقاها السيد الصدر، فقد مثّلت قلب هذا المشروع. لم تكن خطبًا تقليدية، ولا بيانات سياسية مباشرة، بل خطابًا دينيًا واعيًا، يحمّل القيم الإسلامية معاني العدالة، ورفض الظلم، وكرامة الإنسان، والمسؤولية الأخلاقية. كان الصدر يتحدث عن الفقر، وعن القهر، وعن حق الناس في العيش بكرامة، مستخدمًا لغة يفهمها الجميع، من دون مواربة، ولكن أيضًا من دون دعوة إلى العنف.
حملت صلاة الجمعة رسالة مزدوجة:
للناس، بأنها مساحة آمنة نسبيًا لاستعادة صوتهم وهويتهم الدينية والاجتماعية.
وللسلطة، بأن السيطرة الأمنية لا تعني السيطرة على الضمير، وأن المجتمع لم يُكسر كما تتوهم.
وقد تحوّلت هذه الصلاة سريعًا إلى حدث جماهيري واسع، تتزايد أعداد المشاركين فيه أسبوعًا بعد آخر، ما كشف عمق العطش الشعبي لقيادة دينية صادقة، وأثار في الوقت ذاته قلق النظام، الذي أدرك أن هذا المنبر قد أصبح أخطر من أي سلاح، لأنه يعيد للناس الثقة بأنفسهم، ويكسر جدار الخوف دون إطلاق رصاصة واحدة.
لهذا، لم يكن استهداف السيد محمد صادق الصدر لاحقًا حدثًا منفصلًا عن مشروع صلاة الجمعة، بل جاء في سياق محاولة إجهاض هذا التحول الخطير، الذي أثبت أن الكلمة حين تُقال من منبر صادق، قادرة على زعزعة أعتى أنظمة القمع.
لقد شكّل إحياء صلاة الجمعة على يد السيد الصدر سابقة تاريخية في زمن صدام، ورسّخها كفعل ديني مقاوم، لا بالسلاح، بل بالوعي، وبالخطاب، وبإعادة الإنسان إلى مركز الدين.
الدور الاجتماعي والدفاع عن الفقراء
تميّز مشروع السيد محمد صادق الصدر بتركيزه الكبير على العدالة الاجتماعية. فقد رأى أن الفقر والتهميش ليسا قدرًا، بل نتيجة مباشرة للظلم السياسي وسوء الإدارة. لذلك، سعى إلى دعم الفئات الضعيفة، وإلى خلق شبكات تضامن اجتماعي في ظل غياب الدولة أو تقصيرها.
كان الصدر يعتبر أن العالم الديني مسؤول أخلاقيًا عن الدفاع عن حقوق الفقراء، وأن الصمت أمام معاناتهم يُعدّ خيانة لجوهر الرسالة الإسلامية.
الموقف من نظام البعث: الكلمة في مواجهة القمع
في ظل حكم نظام حزب البعث بقيادة صدام حسين، الذي اعتمد سياسة القمع والرقابة الشديدة، برز السيد محمد صادق الصدر كأحد أجرأ الأصوات المعارضة. لم يرفع السلاح، لكنه رفع الكلمة، واعتبر أن قول الحق واجب ديني لا يسقط بالخوف.
انتقد الاستبداد، ورفض تهميش المجتمع، وواجه محاولات إخضاع الدين للسلطة السياسية. وقد شكّل حضوره الشعبي الواسع مصدر قلق حقيقي للنظام، لأنه أثبت أن السلطة لا تستطيع السيطرة على العقول إذا تحررت من الخوف.
الفكر الديني والسياسي: مشروع إصلاحي متكامل
ترك السيد الصدر مشروعًا فكريًا متكاملًا يقوم على عدة ركائز أساسية، من أبرزها:
- ربط الدين بالعدالة الاجتماعية
- رفض تحييد الدين عن قضايا الأمة
- التأكيد على مسؤولية العلماء في مواجهة الظلم
- الدعوة إلى وعي سياسي نابع من القيم الدينية
- إعادة بناء الثقة بين المرجعية والمجتمع
لم يكن الصدر داعية فوضى، بل دعا إلى إصلاح واعٍ وسلمي يقوم على الوعي، لا على العنف، وعلى الكلمة الصادقة، لا على المصالح الضيقة.
الاغتيال: الشهادة كذروة للمسار
في 19 فبراير/شباط 1999م، تعرّض السيد محمد صادق الصدر لعملية اغتيال في مدينة النجف الأشرف، في واحدة من أكثر الحوادث تأثيرًا في تاريخ العراق الحديث. جاء اغتياله في ذروة نشاطه الشعبي، ما جعل الجريمة تُقرأ على أنها محاولة لإسكات صوتٍ أصبح عصيًّا على الاحتواء.
شكّل استشهاده صدمة وطنية، وأثار حزنًا وغضبًا عارمين، ورسّخ صورته كعالمٍ دفع حياته ثمنًا لموقفه، لا كسياسي يبحث عن مكاسب.
الأثر الرمزي والإنساني بعد الاستشهاد
لم يُنهِ اغتيال السيد الصدر حضوره، بل حوّله إلى رمز دائم للمقاومة الأخلاقية. أصبحت سيرته مصدر إلهام، وأفكاره مرجعًا لكل من يسعى إلى فهم دور الدين في مواجهة الاستبداد.
بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة العراقية بوصفه عالمًا لم يساوم، ولم يهادن، واختار أن يكون مع الناس حتى اللحظة الأخيرة.
مكانته في الوعي العراقي
يُنظر إلى الشهيد محمد صادق الصدر اليوم باعتباره أحد أعمدة التحول في الفكر الديني العراقي، وشخصية أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والمرجعية. لقد أثبت أن الدين يمكن أن يكون قوة تحرر، لا أداة قمع، وأن العالم الديني قادر على أن يكون ضميرًا حيًا للأمة.









