قائد الميدان وحارس السيادة العراقية
يُعدّ الشهيد أبو مهدي المهندس (1954–2020م) من أبرز الشخصيات القيادية التي لعبت دورًا محوريًا في تاريخ العراق المعاصر، ولا سيّما في مرحلة المواجهة الوجودية مع الإرهاب والتحديات الأمنية التي هددت وحدة البلاد واستقرارها. لم يكن أبو مهدي المهندس مجرّد قائد عسكري، بل كان عقلًا استراتيجيًا، ورجل دولة ميدانيًا، وصاحب مشروع وطني دفاعي ارتكز على حماية العراق وسيادته.
التكوين والوعي المبكر
نشأ أبو مهدي المهندس في بيئة سياسية مضطربة، وشهد منذ شبابه المبكر تحولات كبرى عاشها العراق والمنطقة، ما أسهم في تشكيل وعيه السياسي والأمني. اتّسمت شخصيته بالانضباط والهدوء والقدرة على التحليل، وهي سمات رافقته طوال مسيرته، وجعلته من القادة الذين يفضّلون العمل الصامت على الظهور الإعلامي.
أبو مهدي المهندس والمواجهة مع الإرهاب
مع تصاعد خطر التنظيمات الإرهابية، وخصوصًا تنظيم داعش، برز اسم أبو مهدي المهندس بوصفه أحد أهم القادة الذين أسهموا في تنظيم الجهد الدفاعي العراقي. وبعد صدور فتوى الجهاد الكفائي، كان له دور أساسي في تأسيس هيئة الحشد الشعبي، حيث شغل منصب نائب رئيسها، وساهم في تحويلها من استجابة طارئة إلى مؤسسة دفاع وطني منظّمة.
تميّزت قيادته بالجمع بين التخطيط الاستراتيجي والانضباط الميداني، مع تركيز واضح على وحدة القرار العسكري، والتنسيق مع مؤسسات الدولة، والحفاظ على الطابع الوطني الجامع للحشد الشعبي. وقد عُرف عنه حرصه على تقليل الخسائر، وحماية المدنيين، ومنع الفوضى داخل ساحات القتال.
أسلوب القيادة وبناء المؤسسة
لم يكن أبو مهدي المهندس قائدًا يبحث عن الأضواء، بل كان يؤمن بأن القيمة الحقيقية للعمل تُقاس بنتائجه. ركّز على بناء الهياكل التنظيمية، وتعزيز الانضباط، وترسيخ مفهوم المسؤولية داخل المؤسسة العسكرية. كما عمل على توحيد الجهود بين مختلف الفصائل، مؤكدًا أن المعركة ضد الإرهاب هي معركة وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات الضيقة.
الاستشهاد والتحول إلى رمز
شكّل استشهاد أبو مهدي المهندس في عام 2020 محطة مفصلية في الوعي العراقي، إذ تحوّل من قائد ميداني إلى رمز وطني للتضحية والثبات. لم يُنظر إلى استشهاده بوصفه نهاية لمسيرته، بل بداية لمرحلة جديدة من استحضار نهجه وفكره في الدفاع عن العراق.
وقد عبّر كثيرون عن هذه الحقيقة بالقول إن القائد، وإن استشهد، ما زال في الميدان، حاضرًا بأثره، وبالمؤسسات التي ساهم في بنائها، وبالمنهج الذي تركه للأجيال اللاحقة.
إرث أبو مهدي المهندس في الذاكرة الوطنية
ترك الشهيد أبو مهدي المهندس إرثًا يتجاوز البعد العسكري، يتمثل في ترسيخ مفهوم السيادة، وربط القوة بالأخلاق، والعمل العسكري بالمسؤولية الوطنية. ولا تزال تجربته تُستحضر اليوم كنموذج للقائد الذي جمع بين الفكر والميدان، وبين الصلابة في الموقف والمرونة في الإدارة.









