سيرة عالمٍ رسالي جمع بين عمق الفكر وصلابة الموقف
يُعدّ السيد محمد باقر الصدر من الشخصيات الاستثنائية في تاريخ العراق الحديث والعالم الإسلامي، ليس فقط لكونه فقيهًا وأصوليًا بارعًا، بل لأنه مثّل ضميرًا دينيًا حيًا في مرحلة اتسمت بالقمع، وتقديس السلطة، ومحاربة كل فكر مستقل. لقد آمن الصدر بأن العالم لا يجوز له أن ينفصل عن معاناة الناس، وأن العلم إذا لم يُترجم إلى موقف أخلاقي يصبح علمًا ناقصًا.
المولد والانتماء العائلي: جذور علمية وهوية رسالية
وُلد السيد محمد باقر بن السيد حيدر الصدر في مدينة الكاظمية ببغداد يوم 25 ذي القعدة 1353 هـ الموافق 10 آذار/مارس 1935م، في أسرة علمية عريقة تُعرف بـ أسرة الصدر. هذه الأسرة كان لها حضور واسع في الحوزات العلمية، وخرج منها عدد كبير من العلماء والفقهاء والمراجع، الأمر الذي وفّر له منذ ولادته بيئة دينية علمية مشبعة بالمعرفة والالتزام.
ينتهي نسب الأسرة إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، وهو ما منحها مكانة روحية واجتماعية خاصة في المجتمع الشيعي. غير أن هذا الانتماء لم يكن بالنسبة للصدر مجرد إرث عائلي، بل مسؤولية أخلاقية حملها بوعيٍ كامل طوال حياته.
الطفولة واليُتم: بناء الشخصية في ظروف صعبة
فقد السيد محمد باقر الصدر والده وهو في سنٍ مبكرة جدًا، ما جعله ينشأ يتيمًا في مرحلة حساسة من العمر. هذا الحدث ترك أثرًا عميقًا في تكوين شخصيته النفسية والفكرية؛ فقد تعلّم منذ الصغر الصبر، والانضباط، والاعتماد على النفس. تولّت والدته وأخوه الأكبر رعايته، وكان للجو العائلي المتديّن دور مهم في توجيهه نحو العلم مبكرًا.
في طفولته، لم يكن الصدر طفلًا عاديًا؛ إذ ظهرت عليه ملامح النبوغ بشكل واضح. كان كثير التأمل، قليل اللهو، شديد الميل إلى القراءة والتعلّم، ويطرح أسئلة تتجاوز سنّه، ما دفع المحيطين به إلى إدراك أنهم أمام عقلٍ غير اعتيادي.
الانتقال إلى النجف الأشرف: تشكّل العالم والمفكّر
في سنٍ مبكرة، انتقل السيد الصدر إلى النجف الأشرف، العاصمة العلمية للشيعة، حيث الحوزة العلمية الكبرى. هناك بدأت المرحلة الحاسمة في حياته العلمية. درس الفقه وأصول الفقه والمنطق بجدية نادرة، وأظهر سرعة فهم وقدرة تحليلية جعلت أساتذته ينظرون إليه بإعجاب مبكر.
لم يكن الصدر طالبًا يعتمد على الحفظ أو التلقّي، بل كان صاحب منهج نقدي تحليلي، يربط بين المسائل ويبحث عن الأسس النظرية العميقة لها. هذا الأسلوب جعله يتفوّق سريعًا، حتى أصبح في سن الشباب مرجعًا علميًا وفكريًا يُستشار في القضايا المعقّدة.

المنهج العلمي: فقهٌ بعقل فلسفي
تميّز السيد محمد باقر الصدر بمنهج علمي فريد، جمع بين الفقه التقليدي الصارم والعقل الفلسفي التحليلي. لم ينظر إلى الفقه بوصفه مجموعة أحكام جامدة، بل باعتباره نظامًا حيًا قادرًا على تنظيم حياة الإنسان والمجتمع.
كما أولى اهتمامًا بالغًا لأصول الفقه والمنطق، واعتبرهما مفتاحًا لفهم النص الديني بشكل صحيح. هذا الجمع بين النص والعقل هو ما ميّز مشروعه عن كثير من المشاريع الفكرية الأخرى.
الانفتاح على الفكر العالمي ونقد الأيديولوجيات
في زمنٍ كانت فيه الماركسية والرأسمالية تهيمنان على عقول النخب العربية، انفتح السيد الصدر على هذه التيارات بوعيٍ عميق. درسها من مصادرها الأصلية، وفهم بنيتها الفلسفية والاقتصادية، ثم قدّم نقدًا علميًا رصينًا لها، بعيدًا عن الشعارات والانفعال.
لم يكن هدفه الرفض لمجرد الرفض، بل تقديم البديل الإسلامي بوصفه مشروعًا متكاملًا قائمًا على العدالة والكرامة الإنسانية.
المشروع الفكري والمؤلفات: تأسيس مدرسة فكرية
شكّلت مؤلفات السيد الصدر مدرسة فكرية قائمة بذاتها:
- في فلسفتنا، لم يكتفِ بنقد الفلسفات المادية، بل أسّس لرؤية إسلامية عقلانية متماسكة، تخاطب العقل المعاصر بلغته.
- في اقتصادنا، قدّم تحليلًا معمّقًا للأنظمة الاقتصادية الحديثة، وكشف عيوبها البنيوية، وطرح الإسلام كنظام اقتصادي أخلاقي عادل.
- في الأسس المنطقية للاستقراء، قدّم إسهامًا فلسفيًا معقّدًا في نظرية المعرفة، اعتُبر من أعمق أعماله.
- أما الفتاوى الواضحة، فجاءت لتقريب الفقه من الناس، وتأكيد البعد الإنساني للشريعة.
موقفه من حزب البعث: رفض أخلاقي واعٍ
مع صعود حزب البعث إلى السلطة، أدرك السيد الصدر مبكرًا أن هذا النظام يقوم على القمع وتأليه الحاكم ومحاربة الدين. لذلك، اتخذ موقفًا واضحًا في رفضه، دون أن يلجأ إلى العنف أو السلاح. كانت مقاومته فكرية وشرعية وأخلاقية، تمثّلت في رفض إعطاء أي شرعية دينية للنظام، وفي الوقوف مع المظلومين.
هذا الموقف جعله هدفًا مباشرًا للسلطة، التي رأت فيه خطرًا حقيقيًا بسبب تأثيره الشعبي وعمقه الفكري.
الحصار والإقامة الجبرية: كسر الجسد لا الفكر
في أواخر السبعينيات، فرض النظام البعثي على السيد الصدر الإقامة الجبرية، وضيّق عليه في التواصل مع الناس وطلبة العلم. كان الهدف عزله فكريًا وكسر تأثيره، لكن الحصار زاده حضورًا في الوعي الشعبي، وتحول إلى رمز للصمود.
الاعتقال والاستشهاد: الكلمة التي خُتمت بالدم
عام 1980م، اعتُقل السيد محمد باقر الصدر، وتعرّض لتعذيب وضغوط شديدة لإجباره على التراجع عن مواقفه. لكنه بقي ثابتًا حتى النهاية. وفي 19 نيسان/أبريل 1980م، أُعدم شنقًا في بغداد مع شقيقته بنت الهدى الصدر.
الإرث والدلالة
لم يكن استشهاد السيد الصدر نهاية مشروعه، بل بدايته الحقيقية. بقيت أفكاره حيّة، وكتبه تُدرّس، ومواقفه تُستحضر كلما ذُكر دور العالم في مواجهة الاستبداد. لقد أثبت أن الفكر حين يقترن بالشجاعة يصبح قوة لا تُهزم.









