أصغر شهداء الحشد الشعبي
مدخل إنساني
ليست الأعمار الطويلة وحدها ما يصنع الخلود، فبعض الأرواح خُلقت لتنجز رسالتها بسرعة، ثم ترحل وقد تركت أثرًا لا يُمحى. الشهيد مثنّى قاسم عبد الكاظم الكلابي واحد من أولئك الذين لم يمكثوا طويلًا في هذه الدنيا، لكنهم عاشوا بعمق، واختاروا طريقهم بوعي، وكتبوا أسماءهم في سجل الخالدين بدمٍ صادق.
في زمنٍ كانت فيه العراق تواجه أخطر تهديد وجودي في تاريخها الحديث، برزت نماذج شبابية نادرة لم تنتظر اكتمال العمر ولا ضمانات السلامة، بل قدّمت نفسها قربانًا دفاعًا عن الأرض والمقدسات. وكان مثنّى، رغم صغر سنّه، أحد أكثر هذه النماذج صفاءً وصدقًا.
الولادة والجذور الاجتماعية
وُلد مثنّى قاسم عبد الكاظم الكلابي في 2 آب/أغسطس 1998 في قضاء النعمانية بمحافظة واسط، وهي منطقة عُرفت بتديّن أهلها وارتباطهم العميق بالقيم الدينية والاجتماعية الأصيلة. نشأ في أسرة عراقية بسيطة، لم تكن تملك الكثير من متاع الدنيا، لكنها كانت غنية بالإيمان، والالتزام الأخلاقي، والغيرة على الوطن.
في هذا المناخ التربوي، تشكّلت شخصية مثنّى منذ سنواته الأولى؛ شخصية هادئة، متزنة، تميل إلى التأمل أكثر من اللهو، وتبحث عن المعنى قبل المصلحة. لم يكن طفلًا صاخبًا، بل كان أقرب إلى من يحمل همًّا أكبر من عمره.
التكوين الديني والوجداني
كان تعلّق الشهيد بأهل البيت (ع) جزءًا أساسيًا من تكوينه النفسي والروحي. المجالس الحسينية لم تكن عنده مجرد طقس موسمي، بل مدرسة تربوية شكّلت وعيه، وربطته بكربلاء بوصفها نموذجًا دائمًا للصراع بين الحق والباطل.
في أيام شهر محرّم، كان يؤدي دور القاسم بن الحسن (ع) في التشابيه سنويًا، وهو دور لا يُعطى عادة إلا لمن يُعرف بالالتزام وحسن السيرة. لم يكن مثنّى يتعامل مع هذا الدور كتمثيل، بل كان يعيش تفاصيله بروحٍ صادقة، حتى بات القاسم (ع) حاضرًا في لغته، ومواقفه، وخياراته.
طالب على مقاعد الدراسة… ومجاهد في الوعي
كان مثنّى طالبًا في الصف الخامس الإعدادي، يحمل كتبه المدرسية مثل أي شاب في سنّه، لكن الفرق أن هذه الكتب كانت تحمل بين صفحاتها إشارات واضحة إلى مشروعه الوجودي. فقد اعتاد أن يكتب اسمه مسبوقًا بكلمة “الشهيد”، وكأن قلبه كان يسبق الزمن، ويستشرف مصيره دون خوف.
لم يكن ذلك بدافع الحماسة العابرة أو التأثر اللحظي، بل نتيجة وعي تراكمي تشكّل عبر سنوات من التربية الدينية، والمتابعة الواعية لما يجري في العراق، والشعور بالمسؤولية تجاه ما يتعرض له الوطن.

اجتياح داعش… واختبار الموقف
عندما بدأ تنظيم داعش الإرهابي باجتياح المدن العراقية، وارتكاب الجرائم بحق المدنيين، والمراقد، والبنية الاجتماعية للدولة، دخل العراق مرحلة مصيرية. في تلك اللحظة، لم يكن السؤال عند مثنّى: هل أذهب؟
بل كان السؤال الوحيد: متى؟
ومع صدور نداء المرجعية الدينية العليا، وجد مثنّى أن كل ما تعلّمه، وكل ما آمن به، يقوده إلى خيار واحد لا بديل عنه: الالتحاق بصفوف الحشد الشعبي، رغم أن عمره لم يتجاوز 17 عامًا.
الالتحاق بالحشد الشعبي… اختيار بلا تردّد
ترك مقاعد الدراسة، ووضع القلم جانبًا، وحمل السلاح لا حبًا بالعنف، بل دفاعًا عن الحياة. لم يكن يبحث عن بطولة إعلامية، ولا عن مكانة اجتماعية، بل عن أداء تكليف يراه شرعيًا وأخلاقيًا.
كان صغيرًا في السن، لكنه كبير في الوعي والانضباط. التحق بالمجاهدين وهو يدرك حجم الخطر، لكنه كان يرى أن التضحية هي الطريق الوحيد لصيانة الكرامة.
كربلاء كمنهج حياة
في تجربة مثنّى، لم تكن كربلاء حدثًا تاريخيًا، بل منهجًا عمليًا. كان يؤمن أن الحسين (ع) لا يُنصر بالبكاء وحده، بل بالثبات حين يُمتحن الإنسان في مواقفه.
ومن هنا، لم يعد دور القاسم (ع) في التشابيه كافيًا لروحه. لقد تجاوز الرمز إلى الفعل، والتمثيل إلى الحقيقة، ليكون هو نفسه امتدادًا لذلك الخط الحسيني الممتد عبر القرون.
شهادة الأم… نافذة على روحه
تروي والدة الشهيد أن مثنّى كان متعلّقًا بالجهاد بشكل لافت، يتمنى الشهادة بصدق، ويعيشها فكرةً يومية. كانت ملامح هذا التوجه واضحة في كل تفاصيل حياته:
في دفاتره، في عصابة رأسه، في كلماته، وحتى في صمته.
لم يكن حديثه عن الشهادة حديث شاب مندفع، بل حديث من فهم معنى الفداء، واستعد له نفسيًا وروحيًا.
معارك بيجي… الميدان الأخير
شكّلت معارك مصفى بيجي في محافظة صلاح الدين واحدة من أعنف ساحات المواجهة ضد تنظيم داعش. هناك، وقف مثنّى على الساتر، مقاتلًا بثبات نادر، غير هيّاب من الموت، مؤمنًا بأن الدفاع عن الأرض شرف لا يُقاس بالأعمار.
وفي 17 تشرين الأول/أكتوبر 2015، الموافق 3 محرّم الحرام، أصابته رصاصة غادرة، لترتقي روحه الطاهرة شهيدًا. وعُثر في جيبه على سبعة آلاف دينار عراقي وهاتف نقال بسيط، شاهدين على زهده في الدنيا، مقابل عظمته في الآخرة.
المكالمة الأخيرة… لحظة تختصر المسيرة
قبل استشهاده بيوم واحد، اتصل به والده وأخوه الأكبر، محاولين إقناعه بالعودة لأداء دور القاسم (ع) في التشابيه. كان الرد حاسمًا، صادقًا، ومعبّرًا عن وعيه:
“القاسم والإمام الحسين (ع) يقاتلان معنا على الساتر، لا في التشابيه.”
في اليوم التالي، صدق القول بالفعل، والتحق بركب الشهداء.
حين يصبح الشاب مدرسة
الشهيد مثنّى قاسم عبد الكاظم الكلابي لم يكن مجرّد اسم في سجل الشهداء، بل تجربة إنسانية مكتملة، تختصر معنى الانتماء، والوعي، والتضحية. هو أصغر شهداء الحشد الشعبي من أبناء قضاء النعمانية، لكنه كبير في أثره، خالد في ذاكرة العراق، وشاهد على أن كربلاء لا تزال حيّة، وأن الحسين (ع) ما زال يُنادى… ومن يلبّي، يُخلَّد.









