انتفاضة صفر

اندلعت انتفاضة صفر عام 1977 في العراق بعد قرار نظام صدام حسين منع زيارة الأربعين والمسير الديني من النجف إلى كربلاء، في محاولة للسيطرة على الشعائر الدينية وكبح الدور الاجتماعي للمرجعية الدينية. بدأت الانتفاضة بخروج آلاف الزائرين من مدينة النجف الأشرف في مسيرة سلمية باتجاه كربلاء، متحدّين قرار المنع، ما اعتبرته السلطة تمردًا مباشرًا على هيبتها. وردّ نظام البعث على هذه الحركة بالقمع العسكري، وفتح النار على المتظاهرين وشنّ حملات اعتقال وإعدام واسعة. ورغم إخضاع الانتفاضة بالقوة، فقد تركت أثرًا عميقًا في الوعي الشعبي العراقي، ومهّدت لانتفاضات لاحقة، مؤكدة فشل سياسات القمع في إنهاء الهوية الدينية للمجتمع.

حين اصطدم الإيمان بسلطة القمع

لم تكن انتفاضة صفر مجرد حادثة أمنية عابرة في تاريخ العراق الحديث، بل كانت لحظة مفصلية كشفت عمق الصراع بين شعبٍ تشكّلت هويته حول الإيمان والذاكرة الدينية، وسلطةٍ شمولية أرادت إخضاع كل شيء لمنطق الحزب والدولة. في عراق سبعينيات القرن الماضي، كان الخوف لغة الحكم، وكانت الأجهزة الأمنية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، لكن تحت هذا السطح الهادئ ظاهريًا، كانت تتراكم مشاعر الغضب والاختناق والرفض الصامت. وعندما جاء صفر عام 1977، لم يكن ما حدث انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من القمع انتهى بمواجهة مباشرة بين الإيمان والسلطة.

جذور الانتفاضة: لماذا خاف نظام البعث من الشعائر؟

خوف نظام حزب البعث من الشعائر الدينية لم يكن خوفًا عاطفيًا أو ناتجًا عن سوء فهم، بل كان خوفًا سياسيًا محسوبًا. فالشعائر الحسينية، وفي مقدمتها زيارة الأربعين، لم تكن مجرد طقوس تعبدية، بل ممارسة اجتماعية واسعة تُعيد إنتاج سردية ثورة الإمام الحسين (ع) بوصفها رمزًا للرفض في وجه الظلم. هذه السردية كانت، في جوهرها، نقيضًا مباشرًا لخطاب الدولة البعثية القائم على الطاعة المطلقة وتمجيد السلطة والقائد.

النجف الأشرف، كمركز للمرجعية الدينية والحوزة العلمية، مثّلت تحديًا خاصًا للنظام. فهي مدينة تمتلك استقلالية رمزية وتاريخية، ويصعب دمجها بالكامل في مشروع الدولة الأيديولوجي. لذلك، سعى النظام منذ وقت مبكر إلى تقليص دورها، عبر مراقبة العلماء، والتضييق على النشاط الديني، ومحاولة تفريغ الشعائر من بعدها الجماهيري، وصولًا إلى قرار منع زيارة الأربعين والمسير من النجف إلى كربلاء.

صفر 1977: قرار كسر المنع وبداية المواجهة

عندما صدر قرار المنع، لم يُقابل باحتجاج فوري، بل بحالة ترقّب مشحونة. لكن مع اقتراب شهر صفر عام 1977، بدأ يتبلور شعور عام بأن التراجع هذه المرة يعني فتح الباب لتدخل الدولة في صميم العقيدة. في البيوت والمجالس والحسينيات، اتُّخذ القرار دون بيانات أو قيادات سياسية: السير إلى كربلاء مهما كانت النتائج.

هذا القرار الشعبي كان لحظة كسر حقيقية، لأنه نقل الصراع من مستوى القبول القسري إلى الفعل العلني. الناس كانوا يدركون أن الدولة تملك السلاح والسجون، لكنهم كانوا مقتنعين أيضًا بأن الصمت لم يعد خيارًا أخلاقيًا.

من مسيرة سلمية إلى انتفاضة شعبية

انطلقت المسيرة بطابعها السلمي الخالص. آلاف الزائرين، غير مسلحين، ساروا على طريق النجف–كربلاء وهم يرددون الأدعية والشعارات الحسينية. في ظاهره، بدا المشهد دينيًا بحتًا، لكنه في جوهره حمل رسالة سياسية عميقة: المجتمع قادر على كسر حاجز الخوف.

حاولت السلطات في البداية احتواء الموقف عبر الحواجز والتهديد والاعتقالات المحدودة، لكن الإصرار الشعبي أربك حساباتها. ومع اتساع المشاركة، لم تعد المسيرة حدثًا يمكن السيطرة عليه إداريًا، بل تحولت تدريجيًا إلى انتفاضة صفر، أي فعل جماعي واسع يعكس رفضًا علنيًا لسياسات القمع والتهميش.

القمع الدموي: كيف واجهت السلطة الانتفاضة؟

عندما أدرك النظام أن هيبته باتت على المحك، لجأ إلى الخيار الأكثر عنفًا. تدخلت قوات الأمن والجيش، واُستخدم الرصاص لتفريق زائرين غير مسلحين. سقط شهداء وجرحى على الطريق، وتحولت لحظات العبادة إلى مشاهد دماء، في واحدة من أكثر الصفحات قسوة في تاريخ العراق الحديث.

لم يتوقف القمع عند حدود الشارع. بعد السيطرة الميدانية، بدأت مرحلة الانتقام المنظم. شُنت حملات اعتقال واسعة، وأُقيمت محاكمات صورية افتقرت لأبسط معايير العدالة، صدرت فيها أحكام إعدام وسجن طويل خلال أيام قليلة. تشير تقديرات تاريخية إلى استشهاد ما بين 100 و300 شخص، وإعدام العشرات، وسجن المئات، فضلًا عن ملاحقة عائلاتهم وحرمانهم من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، في محاولة لزرع الخوف ومنع أي تكرار مستقبلي.

المرجعية والحوزة في قلب الاستهداف

بعد إخماد الانتفاضة، أدرك النظام أن المشكلة أعمق من مسيرة شعبية، وأن الخطر الحقيقي يكمن في المرجعية الدينية والحوزة العلمية بوصفهما المصدر المعنوي الذي يمنح المجتمع شرعية الرفض. لذلك تصاعدت سياسة التضييق على العلماء وطلبة العلوم الدينية، وجرى التعامل مع الحوزة باعتبارها بيئة غير موثوقة سياسيًا.

شملت هذه السياسة الاعتقالات، والاستدعاءات الأمنية، ومراقبة الدروس الدينية، ومحاولات عزل المرجعية عن محيطها الاجتماعي. وشكّلت انتفاضة صفر نقطة تحول في علاقة النظام بالمؤسسة الدينية، حيث انتقل من الاحتواء الحذر إلى المواجهة المفتوحة، ما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع الديني.

الأثر الإنساني والاجتماعي لانتفاضة صفر

إنسانيًا، خلّفت انتفاضة صفر جراحًا عميقة في النسيج الاجتماعي العراقي. خلف كل شهيد عائلة مفجوعة، وخلف كل معتقل سنوات من الانتظار والخوف. كثير من العائلات لم تُبلَّغ بمصير أبنائها، وظل الغموض يحيط بمكان دفنهم أو ظروف إعدامهم، ما خلّف صدمات نفسية طويلة الأمد.

لكن هذه المأساة لم تُنتج استسلامًا، بل أسهمت في بناء ذاكرة جمعية قائمة على الصبر والتماسك. تحولت البيوت والمجالس إلى فضاءات لحفظ الروايات والأسماء، وأصبحت انتفاضة صفر رمزًا للثبات والكرامة في الوعي الشعبي.

آثار الانتفاضة على مسار العراق السياسي

سياسيًا، كشفت انتفاضة صفر حدود القوة القائمة على الخوف وحده. فرغم نجاح النظام في إخمادها بالقوة، إلا أنها عرّت طبيعته القمعية أمام قطاعات واسعة من المجتمع. هذا الإدراك لم يؤدِّ إلى مواجهة فورية، لكنه راكم وعيًا جمعيًا بأن السلطة ليست مطلقة، وأن مقاومتها ممكنة ولو بكلفة عالية.

هذا الوعي التراكمي ظهر بوضوح في محطات لاحقة، أبرزها الانتفاضة الشعبانية عام 1991، التي حملت كثيرًا من روح صفر، ولكن على نطاق أوسع وأكثر عنفًا، مؤكدة أن تجربة 1977 لم تُنسَ، بل تحولت إلى مرجع نفسي وسياسي.

من القمع إلى الذاكرة: انتفاضة صفر بعد 2003

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، خرجت انتفاضة صفر من دائرة الصمت القسري إلى فضاء الذاكرة العلنية. أُعيد الحديث عنها في الكتب والشهادات والبرامج الوثائقية، وأُعيد الاعتبار لضحاياها بوصفهم جزءًا من تاريخ المقاومة الشعبية ضد الاستبداد.

والمفارقة التاريخية أن زيارة الأربعين، التي حاول النظام منعها بالقوة، تحولت في العراق الجديد إلى واحدة من أكبر التجمعات البشرية في العالم، في دليل واضح على أن القمع قد يؤجل الظواهر، لكنه لا يلغيها.

خاتمة: انتصار المعنى رغم الهزيمة

لم تكن انتفاضة صفر معركة عسكرية حتى تُقاس بمنطق الربح والخسارة، بل كانت معركة على المعنى والهوية والذاكرة. خسر الناس أرواحًا وأعوامًا من أعمارهم في السجون، لكنهم حافظوا على جوهر إيمانهم، بينما خسر النظام شرعيته الأخلاقية رغم امتلاكه أدوات القمع.

لهذا بقيت انتفاضة صفر شاهدًا حيًا في التاريخ العراقي على حقيقة ثابتة: أن الشعوب قد تُجبر على الصمت زمنًا، لكنها لا تُهزم حين تتمسك بإيمانها وكرامتها.