احتلال العراق

اندلعت حرب العراق عام 2003 مع قيام الولايات المتحدة وبريطانيا، بدعم تحالف دولي، بشنّ هجوم عسكري على العراق بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل ومكافحة الإرهاب. أدّت الحرب إلى سقوط سريع لبغداد وانهيار نظام صدام حسين، لكنها فتحت في المقابل مرحلة طويلة من الاحتلال والفوضى الأمنية وتفكك مؤسسات الدولة. تسبّب الصراع في مقتل مئات الآلاف من العراقيين، ونزوح الملايين، وتدمير واسع للبنية التحتية، ولا تزال تداعيات هذه الحرب السياسية والإنسانية والأمنية مستمرة حتى اليوم.

حين يتحدث الناس عن احتلال العراق، غالبًا ما يستحضرون صور إسقاط التمثال في بغداد عام 2003، ثم يتعاملون مع الحدث وكأنه انتهى بانتهاء تلك اللقطة. لكن العراق لم يكن فيلمًا ينتهي عند مشهد واحد، بل كان بلدًا حقيقيًا يعيش فوق أرضٍ مثقلة بالحصار والحروب، ثم جاء الغزو ليحوّل الجسد المنهك إلى ساحة مفتوحة للصراعات. لذلك فإن قصة الاحتلال ليست فقط قصة دخول جيوش، بل قصة كيف انكسرت الدولة، وكيف تغيّر المجتمع، وكيف كبرت الفاتورة البشرية سنة بعد أخرى، وكيف بقي أثر الوجود الأمريكي ـ بأشكال مختلفة ـ حاضرًا بعد إعلان “الانسحاب” بسنوات.

من أين بدأت القصة فعلًا؟ من الحصار إلى قرار الحرب

لكي نفهم لماذا كان الاحتلال ممكنًا بهذا الشكل السريع، يجب أن نعود إلى ما قبل 2003 بكثير. فمنذ عام 1991 عاش العراق تحت حصار طويل دمّر الاقتصاد والبنية الصحية والتعليمية، وترك المجتمع متعبًا ومتآكلًا. ومع مرور السنوات صار الناس يعيشون على حافة الاحتياجات الأساسية، فيما كانت الدولة تفقد قدرتها على ترميم ما تهدم. وعندما وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001، تغيّر المناخ الدولي بشكل كامل، وبدأ خطاب “الحرب على الإرهاب” يُستخدم كغطاء واسع لإعادة ترتيب المنطقة.

في هذا السياق، صارت قضية “أسلحة الدمار الشامل” محورًا متكررًا في التصريحات التي تُمهّد للرأي العام، وجرى تصوير العراق بوصفه تهديدًا يجب نزع سلاحه بالقوة. ثم جاء قرار الحرب كخلاصة لمسار سياسي وإعلامي واستخباراتي طويل، لا كحدث مفاجئ.

حرب التحالف: كم دولة ساعدت الولايات المتحدة في غزو العراق؟

عندما بدأ الغزو في 20 مارس/آذار 2003، لم تكن الولايات المتحدة وحدها، ولم تكن بريطانيا وحدها أيضًا. كان هناك ما سُمّي في ذلك الوقت بـ“التحالف الدولي”، وهو تحالف أعلنت الولايات المتحدة أنه يضم عشرات الدول بدرجات مختلفة من المشاركة. وفق القوائم الرسمية التي جرى تداولها في تلك المرحلة، وصل عدد الدول المُدرجة ضمن التحالف إلى نحو 49 دولة (مع اختلاف مستوى التورط بين مشاركة قتالية مباشرة، ومشاركة بقوات رمزية، أو دعم لوجستي/سياسي مثل فتح المجال الجوي أو توفير قواعد وتسهيلات).

لكن داخل هذا العدد الكبير، ينبغي التمييز بين “القوة الضاربة” و“الدعم”. فالقوة العسكرية الرئيسية على الأرض كانت أساسًا أمريكية وبريطانية، مع مشاركة عسكرية من دول مثل أستراليا وبولندا وإسبانيا وغيرها بأحجام أصغر، فيما اكتفت دول أخرى بالدعم السياسي أو اللوجستي. هذا التفصيل مهم لأنه يفسّر كيف قُدّم الغزو كأنه “إجماع دولي” بينما كانت الكفة العسكرية الساحقة في يد دولتين أساسيتين.

من “الصدمة والترويع” إلى سقوط بغداد…

اعتمد الغزو منذ ساعاته الأولى على استراتيجية القصف المكثف وإرباك مراكز القرار والاتصال، فيما عُرف إعلاميًا بـ“الصدمة والترويع”. ثم تقدّمت القوات من اتجاهات متعددة، خصوصًا عبر الجنوب باتجاه البصرة والناصرية، وصولًا إلى مشارف بغداد. وفي 9 أبريل/نيسان 2003 دخلت القوات إلى بغداد وسقط النظام سريعًا. غير أن السقوط الحقيقي الذي شعر به العراقيون كان سقوط “الدولة” لا سقوط “الرئيس” فقط؛ لأن انهيار المؤسسات كان أسرع من أي خطة لإدارتها.

في الأيام والأسابيع التالية، انتشرت مشاهد النهب والفراغ الأمني، وتوقفت أجهزة الدولة عن أداء وظائفها اليومية. لقد تحول العراقي العادي فجأة من مواطن يعيش في دولة قاسية لكنها قائمة، إلى إنسان يعيش في مدينة بلا شرطة فاعلة، وبلا خدمات منتظمة، وبلا يقين بشأن الغد. ومع الوقت صار الفراغ الأمني هو التربة التي ستنبت منها كل الكوارث اللاحقة.

المعارك الكبرى بعد السقوط

كثيرون يتخيّلون أن الحرب انتهت بسقوط بغداد، لكن الاحتلال الحقيقي بدأ بعد ذلك. فخلال عام 2004 وما تلاه، تحولت بعض المدن إلى ساحات قتال مباشرة بين القوات الأمريكية وفصائل عراقية مسلحة، وشكّلت الفلوجة واحدة من أبرز رموز تلك المرحلة، إذ شهدت معارك عنيفة وعمليات عسكرية واسعة تركت دمارًا كبيرًا في البنى المدنية وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وعمّقت الشعور الشعبي بأن ما يجري ليس “تحريرًا” بل صدامًا مع مجتمع كامل.

وفي الوقت ذاته، شهدت النجف وما حولها مواجهات حساسة، لأن المدينة ليست مجرد مساحة جغرافية بل قلب ديني ومعنوي للعراق الشيعي. أي معركة هناك كانت تحمل خطر إشعال البلاد. كما شهدت أحياء بغداد، خصوصًا المناطق المكتظة والفقيرة، اشتباكات متقطعة وتحولات أمنية سريعة، ما جعل المدنيين يعيشون بين خطوط نار متغيرة.

هذه المعارك لم تكن عسكرية فقط، بل كانت معارك على معنى الدولة والشرعية: من يملك الحق في القرار؟ من يحمي الناس؟ ومن يضع قانونًا في بلد تُرك بلا قانون فعّال؟

المقاومة ضد الولايات المتحدة

مع الوقت، ظهرت مقاومات عراقية متعددة الأشكال ضد القوات الأمريكية. من المهم هنا ألا تُختزل “المقاومة” في قالب واحد، لأن الواقع كان أكثر تعقيدًا. كانت هناك جماعات ترى نفسها مقاومة وطنية لطرد المحتل، وهناك جماعات دخلت الصراع بروح ثأرية أو طائفية، وهناك أطراف استغلت الفوضى لبناء نفوذ سياسي أو عسكري. وبين هذه العناوين، كان المواطن العراقي العادي هو الذي يدفع الثمن: مرة لأنه يعيش تحت ضربات الاحتلال وحملات الدهم والاعتقال، ومرة لأنه يعيش تحت تفجيرات وانتقام وفوضى داخلية.

لم تكن المقاومة دائمًا مشهدًا بطوليًا خالصًا، كما لم تكن دائمًا فوضى بلا معنى؛ بل كانت خليطًا من ردّ فعل على الإهانة والسيادة المنتهكة، وعلى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وعلى الإحساس بأن القرار لم يعد في بغداد بل في غرف أخرى. وفي المقابل ردّت القوات الأمريكية بمنطق أمني شديد، عبر عمليات عسكرية موسعة واعتقالات ومداهمات، وهو ما خلق دائرة عنف تتغذى على نفسها.

موقف الشيعة والمرجعية: رفض الاحتلال…

وسط هذا المشهد، برزت المرجعية الدينية في النجف بوصفها عنصر توازن حاسم، لأنها كانت تملك تأثيرًا اجتماعيًا عميقًا وقدرة على التوجيه. الموقف العام الذي تكرّس في المجتمع الشيعي كان رفض الاحتلال بوصفه انتهاكًا للسيادة، لكن المرجعية ـ في لحظات حرجة ـ كانت تدفع باتجاه منع الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة تُحرق العراق من الداخل. هذه المعادلة كانت صعبة: كيف ترفض الاحتلال دون أن تُطلق حربًا لا تبقي ولا تذر؟ وكيف تحمي المجتمع دون أن تُمنح شرعية لواقع فُرض بالقوة؟

تنوّعت ردود الشارع الشيعي بحسب المناطق والتيارات، لكن أثر المرجعية كان حاضرًا في ضبط إيقاع الانفجار الداخلي في مراحل مفصلية. وفي الوقت نفسه، لم يمنع ذلك من وجود مواجهات مسلحة في بعض المحطات، ومن صعود تيارات ترى أن المواجهة المباشرة هي الطريق الوحيد لاستعادة الكرامة والسيادة.

“الشهداء” والأرقام: ما هو الرقم الأدق؟

هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية: عدد الشهداء والضحايا. الحقيقة العلمية أن لا رقم واحد متفق عليه لأن منهجيات العد تختلف جذريًا. هناك منهج يعتمد “التوثيق بالاسم والحادثة” عبر الإعلام والسجلات، وهناك منهج يعتمد “المسوح الوبائية” التي تحسب “الوفيات الزائدة” (أي التي لم تكن لتحدث لولا الحرب وانهيار المنظومات)، وهناك تقديرات تتحدث عن العنف المباشر فقط دون الوفيات غير المباشرة الناتجة عن انهيار الصحة والبنية التحتية.

من أشهر الدراسات الوبائية دراسة منشورة في مجلة The Lancet قدّرت أنه حتى منتصف 2006 كان هناك نحو 654,965 وفاة زائدة بسبب الحرب، مع نطاق عدم يقين واسع، وأن معظم الوفيات كانت مرتبطة بالعنف.
في المقابل، المشاريع التي تعتمد على التوثيق المباشر للوفيات المدنية العنيفة ـ مثل Iraq Body Count ـ قدّمت أرقامًا أقل بكثير لأنها تسجّل ما أمكن توثيقه عبر التقارير والمصادر المتاحة، وقد سجّلت مئات الآلاف من الوفيات المدنية على مدى السنوات، مع تأكيدها أن الأرقام قد تكون ناقصة لأن كثيرًا من الوفيات لا تُسجَّل أو لا تُنشر.

إذًا إذا كنت تريد “أدق” صياغة للنشر، فالأمانة المهنية هي أن تُقال الحقيقة كما هي: التقديرات تختلف. الدراسات الوبائية تعطي نطاقًا كبيرًا قد يصل إلى مئات الآلاف وصولًا إلى ما يزيد عن نصف مليون في فترات محددة، بينما العدّ التوثيقي يعطي رقمًا أدنى لأنه لا يحصي غير الموثق. ما لا يختلف عليه أحد هو أن العراق شهد كارثة بشرية بحجم تاريخي، وأن عدد الضحايا ليس هامشًا صغيرًا، بل جرحًا وطنيًا واسعًا.

من الانسحاب إلى العودة: هل انتهى الوجود الأمريكي في العراق؟

أعلنت الولايات المتحدة إنهاء “المهام القتالية” وانسحابًا في 2011، لكن هذا لم يعنِ خروجًا كاملًا ونهائيًا. فالوجود الأمريكي عاد وتكرّس بعد 2014 ضمن إطار “التحالف الدولي” لمحاربة تنظيم داعش، وبقيت قوات أمريكية في العراق بأعداد تتغير بحسب الاتفاقات والمراحل الأمنية.

وبحسب تقارير حديثة في 2025، كان الحديث يدور عن انتقال من رقم يقارب 2,500 جندي أمريكي إلى أقل من 2,000 ضمن مسار خفض مرحلي يمتد إلى 2026، مع تركّز جزء مهم من الوجود في إقليم كردستان ومواقع محددة.
هذا يعني أن القول بأن “الأمريكيين خرجوا من العراق وانتهى الأمر” ليس دقيقًا. الأصح أن يُقال إن شكل الوجود تغيّر: من احتلال مباشر واسع إلى حضور عسكري واستشاري/عملياتي ضمن تحالفات وباتفاقات، لكنه يبقى ـ في نظر كثير من العراقيين ـ امتدادًا لأثر الاحتلال لأن تأثيره السياسي والأمني لم يختفِ تمامًا.

الاحتلال وولادة الأزمات اللاحقة: الطريق إلى داعش وما بعده

أحد أكثر الأسئلة قسوة هو: كيف وصل العراق بعد كل ذلك إلى مرحلة سيطرة داعش على مدن كبرى في 2014؟ جزء كبير من الإجابة يرتبط بما فعله الاحتلال ببنية الدولة. تفكيك مؤسسات أساسية، وإعادة بناء نظام سياسي قائم على المحاصصة والانقسام، وترك فراغات أمنية واجتماعية، كل ذلك صنع بيئة مثالية لتغوّل الفساد وضعف الدولة، ثم لعودة العنف بأشكال جديدة.

وعندما عاد القتال ضد داعش، عاد معه النزوح والدمار، وعادت المدن لتدفع ثمنًا آخر فوق ثمن الاحتلال. وهكذا صار العراق كأنه ينتقل من حرب إلى حرب، دون أن يحصل على لحظة تعافٍ حقيقية.

خاتمة

قصة احتلال العراق ليست قصة يوم واحد ولا سنة واحدة، بل قصة بلدٍ أُنهك طويلًا ثم صُدم بالحرب، ثم تُرك في فراغ الدولة، ثم قُدّر له أن يعيش حلقات متتالية من العنف والانقسام. شاركت دول عديدة في مشروع الغزو بدرجات متفاوتة، وخيضت معارك كبيرة داخل مدن عراقية، ونشأت مقاومات متعددة الاتجاهات، وفي كل ذلك بقي المدني ـ العراقي البسيط ـ هو الخاسر الأكبر. أما أعداد الشهداء، فهي ليست رقمًا واحدًا جاهزًا، بل نطاقات تقديرية تعكس فداحة الكارثة واختلاف طرق العدّ، لكن كل الطرق تقود إلى حقيقة واحدة: الاحتلال لم يكن طريقًا للاستقرار، بل بابًا لزمنٍ طويل من الجراح المفتوحة. فصولها تُكتب حتى اليوم.