سيرة حياةٍ تشكّلت في مواجهة الاستبداد
يُعدّ الشهيد أبو مهدي المهندس، واسمه الكامل جمال جعفر محمد علي آل إبراهيم، إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرًا في تاريخ العراق الحديث، ليس فقط بصفته قائدًا عسكريًا ونائبًا لرئيس هيئة الحشد الشعبي، بل بوصفه نتاج مسار طويل من النضال السياسي والعقائدي ضد الدكتاتورية، ثم ضد الإرهاب التكفيري. إن فهم دوره في معارك ما بعد عام 2014 لا يكتمل دون العودة العميقة إلى جذور حياته، وخياراته المبكرة، وصراعه الطويل مع نظام صدام حسين.
وُلد أبو مهدي المهندس عام 1954 في مدينة البصرة، المدينة التي شكّلت تاريخيًا إحدى بؤر الوعي السياسي والرفض الشعبي للظلم. نشأ في أسرة شيعية محافظة، في بيئة عانت التهميش والتمييز، ما ترك أثرًا عميقًا في وعيه المبكر. منذ سنوات شبابه الأولى، لم يكن منعزلًا عن قضايا مجتمعه، بل كان شاهدًا مباشرًا على تحوّل الدولة إلى أداة قمع بيد حزب البعث.
التكوين الفكري والوعي المبكر بالاستبداد
في سبعينيات القرن الماضي، كان العراق يدخل مرحلة شديدة القسوة من حكم البعث، حيث جرى تجفيف الحياة السياسية، وملاحقة كل أشكال المعارضة، لا سيما ذات الخلفية الإسلامية. في تلك المرحلة، تبلور وعي أبو مهدي المهندس السياسي، وارتبط بالفكر الإسلامي الذي يرى في مقاومة الظلم واجبًا دينيًا وأخلاقيًا.
لم تكن معارضته لنظام صدام حسين وليدة لحظة أو رد فعل عاطفي، بل نتيجة قراءة عميقة لطبيعة النظام، الذي حوّل الدولة إلى جهاز أمني، وجرّ البلاد إلى حروب مدمّرة، وقمع المجتمع بعنف غير مسبوق. هذا الإدراك جعله ينخرط مبكرًا في العمل المعارض، رغم ما كان يحمله ذلك من مخاطر جسيمة.
أبو مهدي المهندس في زمن الحرب العراقية – الإيرانية
مع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية عام 1980، وجد أبو مهدي المهندس نفسه أمام منعطف حاسم. ففي الوقت الذي روّج فيه نظام صدام للحرب بوصفها دفاعًا عن الوطن، كان المهندس يرى فيها حربًا عبثية تخدم بقاء الدكتاتورية وتُراق فيها دماء العراقيين دون مبرر أخلاقي أو وطني.
خلال تلك السنوات، شارك أبو مهدي المهندس في صفوف المعارضة العراقية التي واجهت نظام صدام، وأسهم في أنشطة سياسية وعسكرية استهدفت إضعاف النظام. اكتسب في هذه المرحلة خبرة واسعة في العمل التنظيمي، والتخطيط، والعمل السري، وهي خبرات ستظهر آثارها لاحقًا في قيادته للحشد الشعبي.
كما عانى في تلك الفترة من الملاحقة والتهديد، وعاش تجربة الاغتراب والعمل تحت ضغط دائم، ما صقل شخصيته ومنحه قدرة عالية على الصبر وضبط النفس، بعيدًا عن الاندفاع أو الشعبوية.

ما بعد 2003: من معارضة النظام إلى حماية الدولة
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، عاد أبو مهدي المهندس إلى العراق وهو يحمل إرثًا طويلًا من المواجهة مع الاستبداد. غير أن المرحلة الجديدة لم تكن أقل تعقيدًا، إذ واجه العراق الاحتلال، والانقسامات الداخلية، ثم صعود الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة ولاحقًا تنظيم داعش.
في تلك المرحلة، لم ينظر المهندس إلى دوره بوصفه انتقامًا من الماضي، بل بوصفه مسؤولية وطنية لحماية الدولة والمجتمع من الانهيار. ومع اجتياح داعش لمساحات واسعة من العراق عام 2014، وتهديده المباشر لبغداد والمقدسات، كان أبو مهدي المهندس من أوائل من أدركوا أن الخطر وجودي، وأن الرد يجب أن يكون بحجم التحدي.
تأسيس الحشد الشعبي ودور أبو مهدي المهندس القيادي
مثّلت فتوى الجهاد الكفائي التي صدرت في صيف عام 2014 لحظة فاصلة في تاريخ العراق الحديث، إذ جاءت في أخطر مرحلة واجه فيها البلد تهديدًا وجوديًا تمثّل في اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من أراضيه، وانهيار قطاعات عسكرية، واقتراب الخطر من العاصمة والمقدسات. في تلك اللحظة المصيرية، لم تكن الاستجابة الشعبية وحدها كافية، بل كانت بحاجة إلى قيادة واعية وتنظيم محكم يحوّل الحماسة إلى قوة فاعلة على الأرض، وهنا برز الدور المحوري للشهيد أبو مهدي المهندس.
كان أبو مهدي المهندس من المؤسسين الأساسيين للحشد الشعبي، وأسهم بشكل مباشر في وضع اللبنات الأولى لهذا التشكيل، ليس بوصفه تجمعًا مسلحًا عابرًا، بل كـ مشروع دفاع وطني منظم يعمل ضمن إطار الدولة ويحميها من الانهيار. ومع تولّيه منصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، تحمّل مسؤولية ثقيلة تمثّلت في توحيد عشرات الفصائل والمتطوعين، وتنظيم صفوفهم، وضبط إيقاع عملهم في ظرف أمني شديد التعقيد.
لم ينظر أبو مهدي المهندس إلى الحشد الشعبي كقوة شيعية أو فئوية، بل شدّد منذ البداية على أن الحشد هو تعبير عن إرادة وطنية جامعة، وحرص على أن يضم في صفوفه أبناء مختلف المحافظات والانتماءات، وأن يعمل بالتنسيق الكامل مع القيادة العامة للقوات المسلحة. هذا النهج ساهم في تحويل الحشد من رد فعل شعبي إلى مؤسسة عسكرية داعمة للدولة، لعبت دورًا حاسمًا في منع سقوط العراق.
تميّز أسلوبه القيادي بالهدوء والانضباط، والابتعاد عن الخطاب الانفعالي أو الاستعراض الإعلامي. كان يؤمن بأن المعارك تُدار بالعقل قبل السلاح، وبأن وحدة القرار العسكري شرط أساسي للانتصار. لذلك ركّز على منع الفوضى داخل ساحات القتال، وضبط العلاقة بين الفصائل، وحسم الخلافات بعيدًا عن الإعلام، حفاظًا على تماسك الجبهة الداخلية.
كما عُرف عنه قربه من المقاتلين في الميدان، ومتابعته الدقيقة للتفاصيل اللوجستية والعملياتية، دون أن يسعى إلى الظهور أو تسجيل المكاسب الشخصية. هذا النموذج القيادي جعل منه مرجعية ميدانية موثوقة، وأسهم في ترسيخ صورة الحشد الشعبي كقوة منضبطة وفاعلة، لا كميليشيا خارجة عن القانون.
وبفضل هذا الدور القيادي، تحوّل الحشد الشعبي إلى أحد أعمدة الانتصار على تنظيم داعش، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطني. لقد كان أبو مهدي المهندس أحد أبرز العقول التي حوّلت الفتوى إلى مشروع، والتضحية إلى نصر، والفوضى المحتملة إلى نظام، في واحدة من أصعب مراحل تاريخ العراق.
المعارك الكبرى ضد تنظيم داعش: مسار واحد نحو إسقاط المشروع الإرهابي
معارك التحرير وكسر التمدد (2014–2015)
من جرف الصخر إلى تكريت والبغدادي، لعب أبو مهدي المهندس دورًا محوريًا في وقف تمدد داعش وكسر زخمه الأول. كانت هذه المرحلة حاسمة، إذ منعت التنظيم من تثبيت سيطرته، وقطعت خطوط إمداده، وأعادت الثقة للقوات العراقية والحشد الشعبي بقدرتهم على الانتصار.
معارك الحسم وإنهاء الوجود المنظم لداعش (2016–2017)
في الفلوجة ثم الموصل وتلعفر وعمليات ديالى، انتقل الصراع إلى مرحلة الحسم. شارك أبو مهدي المهندس في تنسيق العمليات الكبرى، خاصة في المناطق المعقدة ميدانيًا، حيث استخدم داعش المدنيين دروعًا بشرية، واعتمد على الأنفاق والعبوات الناسفة. ومع تحرير آخر معاقل التنظيم عام 2017، انتهى المشروع العسكري لداعش في العراق.
الاستشهاد والتحول إلى رمز
الاستشهاد والتحوّل إلى رمز وطني خالد
في فجر الثالث من كانون الثاني/يناير 2020، دخل اسم الشهيد أبو مهدي المهندس مرحلة جديدة من التاريخ، حين ارتقى شهيدًا في غارة جوية أمريكية قرب مطار بغداد، إلى جانب القائد قاسم سليماني. لم يكن ذلك الحدث مجرد عملية اغتيال عسكرية، بل شكّل منعطفًا وطنيًا وسياديًا أعاد طرح أسئلة كبرى حول استقلال القرار العراقي وحدود التدخل الخارجي.
جاء استشهاد أبو مهدي المهندس تتويجًا لمسيرة طويلة من التضحية، بدأها شابًا في مواجهة الدكتاتورية، واستكملها قائدًا في معركة الوجود ضد الإرهاب. لم يكن رجل سلطة ولا طالب نفوذ، بل كان رجل ميدان، آمن بأن الدفاع عن العراق واجب لا يُؤجَّل، وأن السيادة تُصان بالفعل لا بالشعارات.
تحوّل المهندس بعد استشهاده إلى رمز وطني جامع، لا لأنه حمل السلاح فقط، بل لأنه جسّد نموذج القائد الذي قدّم نفسه قبل جنوده، وبقي قريبًا من الناس وهمومهم، بعيدًا عن الأضواء والمزايدات الإعلامية. لقد رأى فيه كثير من العراقيين صورة القائد الصادق الذي لم يساوم، ولم يبدّل مواقفه رغم تغيّر الظروف.
لم يُنهِ الاغتيال حضوره، بل رسّخه. فكما صنعت دماؤه صدمة وطنية، صنعت أيضًا وعيًا جماعيًا بأن معركة السيادة لم تنتهِ، وأن التضحيات الكبرى هي التي ترسم ملامح الدول الحرة. أصبح اسم أبو مهدي المهندس حاضرًا في الذاكرة الشعبية، وفي خطاب المقاومة، وفي وجدان كل من رأى في العراق وطنًا يستحق الدفاع عنه حتى آخر نفس.
وهكذا، لم يكن استشهاد أبو مهدي المهندس نهاية لمسيرته، بل بداية لتحوّله إلى رمز خالد، تتجاوز دلالته حدود الزمان والمكان، ليبقى شاهدًا على مرحلة كتب فيها العراقيون تاريخهم بالدم والصبر والثبات.الخاتمة









