الشهيد حارث عبد علي محمد السوداني

الشهيد حارث عبد علي محمد السوداني يُعدّ واحدًا من أبرز الأبطال الاستخباراتيين في تاريخ العراق الحديث، حيث لعب دورًا محوريًا في اختراق تنظيم داعش من الداخل خلال الحرب ضد الإرهاب. عمل متخفيًا لمدة 16 شهرًا داخل أخطر التنظيمات الإرهابية، ونجح في تسريب معلومات استخباراتية حساسة أسهمت في إحباط عشرات الهجمات والعمليات الانتحارية، وإنقاذ آلاف المدنيين. تميّز بشجاعته الاستثنائية وتضحيته الصامتة، ونفّذ عمليات نوعية من أبرزها إحباط تفجير سيارة مفخخة كانت ستوقع مجزرة كبيرة في بغداد. استشهد عام 2017 بعد انكشاف أمره، ولم تُعرف بطولته إلا بعد استشهاده، ليبقى رمزًا وطنيًا خالدًا للتضحية والفداء في ذاكرة العراق.

أعظم اختراق استخباراتي عراقي داخل تنظيم داعش

يُعدّ الشهيد حارث عبد علي محمد السوداني واحدًا من أبرز الأسماء الاستخباراتية التي سطّرت صفحات استثنائية في الحرب العراقية ضد الإرهاب، ورمزًا نادرًا للتضحية الصامتة التي لا تُعرف إلا بعد الاستشهاد. لم يكن مقاتلًا في الخطوط الأمامية، بل كان جنديًا في الظل، تسلّل إلى أخطر تنظيم إرهابي في العالم، وعاش داخله لأشهر طويلة وهو يحمل الموت في كل لحظة، دفاعًا عن العراق وأهله.

النشأة والبدايات الأولى

وُلد حارث عبد علي محمد السوداني عام 1981م، وتعود أصوله إلى مدينة الرمادي، ونشأ في بيئة بسيطة اعتمدت على العمل المبكر والكدّ اليومي. في سنوات طفولته وشبابه، عمل إلى جانب والده في متجر صغير للطباعة، وهو ما أسهم في تكوين شخصيته العملية والانضباطية منذ سن مبكرة.

لم تكن بداياته الأكاديمية مستقرة، إذ مرّ بفترة من الإهمال الدراسي، غير أن ضغط العائلة وحرصها على مستقبله دفعاه إلى إعادة ترتيب مساره، فاختار دراسة اللغة الإنجليزية واللغة الروسية، وهو قرار سيشكّل لاحقًا نقطة تحول مفصلية في حياته المهنية والاستخباراتية.

من العمل المدني إلى عالم الاستخبارات

بعد تخرجه، عمل حارث في قطاع حماية البنية التحتية النفطية كحارس، إلا أن هذا العمل لم يكن يلبّي طموحه أو قدراته. ومع تصاعد التهديدات الإرهابية في العراق، بدأت الأجهزة الأمنية بالبحث عن عناصر تمتلك مهارات تقنية ولغوية عالية.

في عام 2013، جرى تجنيد حارث من قبل جهاز المخابرات العراقي – خلية الصقور الاستخباراتية، وذلك بعد تقييم دقيق لمهاراته في الحاسوب، وتحليل البيانات، واللغات الأجنبية. أُسندت إليه مهام مراقبة الاتصالات الإلكترونية والمكالمات الهاتفية للمشتبه بانتمائهم إلى التنظيمات الإرهابية.

التطوع للاختراق: قرار مواجهة الموت

مع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق عام 2014، وتصاعد الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين، اتخذ حارث السوداني قرارًا مصيريًا، حيث تطوع شخصيًا للتغلغل داخل التنظيم، مدفوعًا بما كان يشهده من مشاهد القتل والتكفير والدمار.

لم يكن هذا القرار مجرد مهمة عسكرية، بل كان مقامرة بالحياة، إذ تطلّب منه قطع صلاته الاجتماعية، وإخفاء هويته الحقيقية حتى عن أقرب الناس إليه. وبسبب شجاعته وكفاءته، مُنح رتبة نقيب، وبدأ أخطر فصل في حياته.

“أبو صهيب”: الاسم الذي خدع داعش

داخل تنظيم داعش في العراق وسوريا، عُرف الشهيد باسم “أبو صهيب”، وتمكن خلال فترة قصيرة من كسب ثقة قيادات ميدانية بارزة. عاش 16 شهرًا متخفيًا داخل صفوف التنظيم، متنقلًا بين مناطق سيطرته، وناقلًا معلومات دقيقة إلى خلية الصقور.

وبحسب التقارير الاستخباراتية، أسهمت المعلومات التي سرّبها في:

  • إحباط 30 هجومًا عسكريًا
  • منع 18 عملية انتحارية
  • تفكيك شبكات تمويل واتصال داخل التنظيم

وقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز دوره لاحقًا بأنه “أعظم جاسوس داخل أخطر تنظيم إرهابي في العالم”.

القصة الكاملة للعملية المفصلية (السيارة المفخخة)

من أخطر العمليات التي نفذها الشهيد حارث السوداني، تلك التي كشفت عمق اختراقه للتنظيم. ففي إحدى المراحل، وبعد تراجع نفوذ داعش ميدانيًا، تواصل معه أحد كبار قادة التنظيم مطالبًا بتكثيف التفجيرات لأغراض دعائية.

سلّم التنظيم للشهيد سيارة مفخخة من نوع كيا حمل بيضاء، محمّلة بـ 26 كيسًا من مادة C4 شديدة الانفجار، مع أوامر صريحة بتنفيذ تفجير في موقع مدني محدد ببغداد.

بدلًا من تنفيذ الجريمة، غيّر حارث مسار السيارة بهدوء، واتجه بها إلى أقرب نقطة آمنة تابعة لخلية الصقور، وأبلغهم بتفاصيل العملية. وعندما اتصل به قائد العملية قائلًا:
“هسة انت وين؟”
أجابه حارث بالعنوان الحقيقي، فاتهمه القائد بالكذب.

تظاهر الشهيد بالضياع، مدعيًا أنه يسلك الطريق الخطأ، وفي تلك الأثناء كان ثمانية عناصر استخبارات يؤمّنون السيارة ويفرغون المتفجرات. لاحقًا، تم توجيه السيارة إلى الموقع المحدد خارج سينما الدار البيضاء في بغداد الجديدة، حيث انفجرت بعد تفريغها من المواد القاتلة، من دون تسجيل أي إصابات.

ورغم فشل العملية فعليًا، أعلن التنظيم عبر إعلامه عن إصابات وهمية، في محاولة للتغطية على الاختراق.

الانكشاف والاستشهاد

في أوائل عام 2017، وأثناء مهمة جديدة في الطارمية، بدأت الشكوك تحيط بحارث السوداني. ألقي القبض عليه من قبل عناصر داعش، ونُقل إلى القائم. وفي شهر يوليو 2017، أصدر التنظيم تسجيلًا بعنوان “بيت العنكبوت” تضمّن عمليات إعدام، وكان الشهيد حارث من بين ضحاياها.

ما بعد الرحيل: بطل لم يُعرف إلا بعد استشهاده

استُشهد حارث السوداني عن عمر 35 عامًا، تاركًا خلفه ولدًا وابنتين. لم يكن يعلم بحقيقته سوى والده وأخيه، إذ أخفى عمله الاستخباراتي حتى عن زوجته. ولم يعرف العراقيون قصته إلا بعد استشهاده، حين كشفتها الصحافة العالمية.

خلاصة إنسانية

قصة الشهيد حارث السوداني ليست مجرد سيرة استخباراتية، بل شهادة حيّة على معنى التضحية الصامتة. رجل عاش في قلب الظلام ليحمي وطنه من الانفجار، وواجه الموت وحده كي يعيش الآخرون بأمان. سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة العراق كأحد أنقى وجوه البطولة الخفية في معركة الوجود ضد الإرهاب.