فكرٌ رسالي وموقف لا يساوم
يُمثّل الشهيد السيد محمد باقر الصدر (1935–1980م) واحدةً من أعظم الشخصيات الفكرية والفقهية في تاريخ الإسلام المعاصر، إذ جمع بين الاجتهاد العميق، والرؤية الإصلاحية، والموقف الشجاع في مواجهة الاستبداد. لم يكن الصدر عالمًا تقليديًا منغلقًا في إطار الدرس الحوزوي، بل مفكرًا رساليًا حمل همّ الأمة، وسعى إلى إعادة تقديم الإسلام بوصفه مشروعًا فكريًا وإنسانيًا قادرًا على معالجة أزمات العصر.
التكوين العلمي والنبوغ المبكر
نشأ السيد محمد باقر الصدر في النجف الأشرف، المدينة التي شكّلت عبر قرون مركزًا للعلم الديني والفكر الشيعي. وقد برز نبوغه العلمي في سنّ مبكرة، حيث أتقن علوم الفقه وأصول الفقه والفلسفة والمنطق، ولفت الأنظار بعمق تحليله ودقّة استدلاله. تميّز بأسلوب علمي يجمع بين الصرامة المنهجية والوضوح الفكري، ما جعله من أبرز المجدّدين في الفكر الإسلامي الحديث.
الفكر الإسلامي ومواجهة التحديات الحديثة
قدّم الشهيد الصدر رؤية فكرية متقدمة هدفت إلى مواجهة التيارات الفكرية الوافدة، ولا سيّما الفلسفات المادية التي حاولت إقصاء الدين عن حياة الإنسان. انطلق في مشروعه الفكري من الإيمان بأن الإسلام ليس مجرد منظومة عبادية، بل منهج شامل للحياة، قادر على تنظيم المجتمع، وبناء العدالة، وصيانة كرامة الإنسان.
تميّز طرحه بالجمع بين العقل والنص، وبين الثبات على الأصول والقدرة على التجديد، وهو ما منح أفكاره حضورًا واسعًا في الأوساط العلمية والفكرية داخل العالم الإسلامي وخارجه.
الموقف السياسي والأخلاقي
لم يفصل السيد محمد باقر الصدر بين العلم والمسؤولية، فكان موقفه من الواقع السياسي العراقي موقفًا أخلاقيًا واضحًا، رافضًا للظلم والاستبداد. وقد شكّل هذا الموقف تحديًا مباشرًا لنظام البعث، الذي رأى في فكره وتأثيره خطرًا حقيقيًا على سلطته.
تعرض الصدر للملاحقة والاعتقال، لكنه بقي ثابتًا على مواقفه، مؤمنًا بأن العالم الحقيقي لا يساوم على الحق، وأن الصمت أمام الظلم خيانة للعلم والرسالة. وانتهت هذه المسيرة بـ استشهاده، ليكون شاهدًا على تلاحم الفكر مع التضحية.
الاستشهاد وتحول الفكرة إلى رمز
لم يكن استشهاد السيد محمد باقر الصدر نهاية حضوره، بل بداية لمرحلة جديدة تحوّلت فيها أفكاره ومواقفه إلى رمزٍ للمقاومة الفكرية والكرامة الإنسانية. فقد بقي الصدر حاضرًا في الوعي الإسلامي، بوصفه نموذجًا للعالم الذي جسّد ما آمن به، ودفع حياته ثمنًا لكلمته.
مكانته في الذاكرة الإسلامية
اليوم، يُستحضر اسم الشهيد السيد محمد باقر الصدر باعتباره عقلًا مفكرًا، وصوتًا حرًا، وشهيد موقف. ولا تزال أفكاره مصدر إلهام للباحثين والمفكرين، ودليلًا على أن الفكر الصادق قادر على مقاومة الاستبداد، وأن الشهادة يمكن أن تكون ذروة العمل الفكري والإنساني.









