الشهيد السيد محمد صادق الصدر

مرجعية الميدان وصوت الفقراء

يُعدّ الشهيد السيد محمد صادق الصدر (قدّس الله سرّه) من أبرز الشخصيات الدينية والاجتماعية في تاريخ العراق الحديث، وواحدًا من العلماء الذين لم يكتفوا بالموقع العلمي داخل الحوزة، بل نزلوا إلى الميدان الاجتماعي والسياسي دفاعًا عن كرامة الناس وحقوقهم في أحلك مراحل الاستبداد. لقد مثّل الصدر نموذج المرجع القريب من الشعب، الذي جعل من الدين رسالة حياة، ومن المرجعية موقفًا ومسؤولية.

النشأة والتكوين العلمي

نشأ السيد محمد صادق الصدر في النجف الأشرف، في بيئة علمية عريقة، وتلقّى علومه الحوزوية في الفقه وأصول الفقه وسائر العلوم الإسلامية، حتى بلغ مراتب علمية متقدمة. تميّز بأسلوب علمي واضح وقريب من الناس، وسعى إلى كسر الحاجز التقليدي بين المرجعية والجمهور، مؤمنًا بأن العالم الحقيقي هو من يعيش هموم مجتمعه ويعبّر عنها بصدق.

مرجعية مختلفة وقريبة من الناس

عُرف السيد الصدر بكونه مرجعًا خرج من الإطار النخبوي الضيّق إلى فضاء المجتمع الواسع، فكان حاضرًا في المساجد، والحسينيات، والأحياء الشعبية، مخاطبًا الناس بلغة بسيطة ومباشرة. شكّلت صلاة الجمعة التي أقامها في النجف وبغداد ومدن أخرى محطة فارقة، حيث تحوّلت إلى منبر ديني واجتماعي وسياسي عبّر من خلاله عن معاناة الشعب العراقي تحت حكم النظام الديكتاتوري.

الموقف من الاستبداد

لم يكن موقف السيد محمد صادق الصدر من نظام البعث موقفًا نظريًا، بل كان موقفًا علنيًا شجاعًا في زمن الخوف والصمت. انتقد الظلم، ودافع عن حقوق الفقراء والمستضعفين، ورفض خضوع المرجعية لإرادة السلطة. وقد جعلته هذه المواقف هدفًا مباشرًا للنظام، الذي رأى في حضوره الشعبي خطرًا حقيقيًا على استمراره.

الاستشهاد وتحول المرجعية إلى رمز

في عام 1999، اغتيل السيد محمد صادق الصدر مع نجليه، في جريمة هزّت الشارع العراقي، وحوّلت استشهاده إلى لحظة مفصلية في الوعي الشعبي. لم يكن استشهاده نهاية لنهجه، بل بداية لمرحلة جديدة أصبح فيها رمزًا للمرجعية الشجاعة، والعالم الذي واجه الاستبداد بالكلمة والموقف، ودفع حياته ثمنًا لوقوفه مع الناس.

إرثه في الذاكرة العراقية

ترك الشهيد السيد محمد صادق الصدر إرثًا عميقًا يتمثل في إحياء الدور الاجتماعي للمرجعية، وربط الدين بقضايا العدالة والكرامة، وإعادة الثقة بين العالم الديني والشارع. ولا تزال مدرسته الفكرية والاجتماعية حاضرة في الوجدان العراقي، بوصفها تجربة مرجعية نادرة جمعت بين العلم، والشجاعة، والالتصاق الحقيقي بالناس.